رحلت ماري كارمن… وبقي السؤال

عبدالحميد البجوقي

رحلت ماري كارمن في خريف مدريد، رحلت بهدوء يُشبه هدوء الأشجار حين تسقطُ أوراقها. كانت في السابعة والثمانين من عمرها، وعاشت واحداً وسبعين عاماً في البيت نفسه، البيت الذي لم يكن بالنسبة إليها، جدراناً وأبواباً ونوافذ، بل ذاكرةً كاملة، وامتداداً للجسد، ومكاناً تجمعت فيه أصوات الغائبين وصور العمر وأعياد الطفولة وشتاءات المرض.

لكنها لم تُغادره هذه المرة من بابه، بل أُخرجت منه على متن سيارة إسعاف.

ربما لهذا السبب لم تعد قصتها مجرد قصة إخلاء عقار، ولا نزاعاً حول عقد كراء، أوقانون ومالك ومحكمة. كانت صورة صغيرة، لكنها كشفت شقوقاً كبيرة في جدران أوروبا الحديثة.

أوروبا التي بنت جزءاً من صورتها على مبادئ الكرامة، والحق، والحماية الاجتماعية، والعدالة، وجدت نفسها فجأة أمام امرأة مُسنّة تقف خارج بيتها. وكأن تلك المرأة، بِصَمتها أكثر من كلامها، كانت تسأل:

ماذا يبقى من هذه المبادئ حين يُصبح  الحق في السكن سلعة، ويصبح السوق أكثر قوة من الحق؟

لم تكن ماري كارمن تريد أن تكون رمزاً. الرموز غالباً ما تصنعها الحروب والثورات والأحزاب والتاريخ. أما هي فلم تكن تريد سوى أن تبقى في البيت الذي عاشت فيه حياتها.

لكنها، من حيث لا تدري، أصبحت مرآة.

خلف مأساتها ظهرت وجوه آلاف الأشخاص الذين يأكل الإيجار معاشاتهم، والعائلات التي تخشى الفاتورة المُقبلة، والشباب الذين صاروا ينظرون إلى كلمة «بيت» كما لو كانت كلمة من قاموس قديم.

وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة، كلما ازداد المجتمع ثراءً، ازداد عدد الذين يشعرون بأنهم لا يملكون مكاناً فيه.

ليست المشكلة في الرأسمالية وحدها، ولا في السوق بوصفه آلية اقتصادية، وإنما في اللحظة التي يتوقف فيها السوق عن كونه وسيلة لخدمة الإنسان ويبدأ الإنسان نفسه في التحول إلى مادة في حساباته. عندها يُصبح البيت استثماراً قبل أن يكون سكناً، والشيخوخة عبئاً، والفقر فشلاً شخصياً، والتضامن امتيازاً مؤقتاً.

وفي الفراغ الذي تتركه هذه التحولات، يكبر الخوف، ومن الخوف ـ في كثير من المجتمعات الغربية ـ  يجد اليمين المتطرف طريقه. حين يشعر الإنسان أن النظام الاقتصادي لا يسمعه، وأن السياسة لا تحميه، وأن المستقبل يُغلق أبوابه في وجهه، يصبح من السهل أن يبحث عن خصم قريب، وعن إجابة بسيطة لمشكلات معقدة، وعن يد تشير إلى «الآخر» باعتباره سبباً لكل شيء، المهاجر مثلاً.

اليمين المتطرف لا يصعد من فراغ، بل ينمو أحياناً في الشقوق التي تتركها أزمة الثقة، وتراجع العدالة الاجتماعية، والخوف من المستقبل، وانحسار الإحساس بالمصير المشترك.

لهذا لم تكن ماري كارمن مجرد امرأة فقدت بيتها، كانت، من حيث لا تدري واقفة عند عتبة سؤال أوروبي أكبر.

متى بدأنا نفقد البيت الذي اسمه المجتمع، قبل أن نفقد البيوت التي نسكنها؟

ربما كان ذلك هو سر الصورة التي هزت الناس، امرأة عجوز أمام باب مغلق، بينما خلف الباب سبعة عقود من الحياة. صورة بسيطة، لكنها تقول الكثير.

المدن يمكن أن تكبر، والأسواق يمكن أن تنتعش، والثروات يمكن أن تتضاعف، والتكنولوجيا يمكن أن تصل إلى كل شيء تقريباً، لكن المجتمع الذي يفقد قدرته على حماية أضعف أفراده يفقد شيئاً من روحه، مهما بدا غنياً من الخارج.

رحلت ماري كارمن، وربما ستنساها الأخبار يوماً، كما تنسى السياسة كثيراً من وجوهها حين تتبدل العناوين، لكن بعض الصور لا ترحل.

تبقى معلقة في ذاكرة المدن، مثل نافذة مضاءة في آخر الليل، تُذكّرنا بأن الأزمة ليست فقط أزمة سكن، ولا أزمة حكومة، ولا حتى أزمة اقتصاد، إنها في عمقها، أزمة نظام وأزمة مجتمع..

لعل التاريخ يعرف مثل هذه اللحظات الصغيرة التي تسبق التحولات الكبيرة. بوعزيزي لم يكن يعرف وهو يحرق جسده في تونس، أنه سيُشعل شرارةً تجاوزت حدود مدينته وبلده. وروزا باركس لم تكن تتخيل أن رفضها التخلي عن مقعدها سيصبح واحداً من رموز النضال من أجل الكرامة والحقوق والمساواة في الولايات المتحدة الأمريكية. أحياناً لا تبدأ التحولات من قصور الحكم، بل من إنسان عادي يقف في المكان الخطأ بالنسبة إلى منطق القوة، ويقول بصمته ما عجزت عنه الخُطب.

فماذا ستشعل ماري كارمن؟

لن تُشعل ثورة بالمعنى الذي عرفه التاريخ، لكنها قد تُشعل شيئاً أكثر هدوءاً وأعمق أثراً، قد تُشعلُ الأمل، والإيمان بشرعية المطالب، واليقين بأن الكرامة ليست امتيازاً، وأن النضال من أجل الحق في بيت، وفي حياة آمنة، وفي شيخوخة لا تُهان، ليس عبثاً ولا ترفاً سياسياً.

ماري كارمن صفارة إنذار لغرب بدأ يفقد إنسانيته..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist