المفارقة التي تستحق التوقف عندها في التقرير الجديد لمنظمة العفو الدولية حول المغرب ليست فقط ما ورد فيه من اتهامات خطيرة للسلطات المغربية بالتجسس على صحافيين ونشطاء وحقوقيين، بل ايضا الطريقة التي حصلت بها المنظمة على جزء مهم من معطياتها.
فالمنظمة التي تتهم اجهزة مغربية بالتجسس والمراقبة، تستند في جانب من روايتها الى شهادة شخص يقدم نفسه باسم مستعار “سفير”، ويقول إنه عنصر سابق في جهاز المخابرات المغربية، هل نحن هنا أمام عملية تجسس مزدوجة؟ فأمنيستي التي تتهم السلطات المغربية بالتجسس هي نفسها تتجسس على المغرب باستقطاب لمخبر سابق يمدها بمعلومات وتقارير يمكن استعمالها للضغط على دولة ذات سيادة؟ وهل هذه الطريقة الجديدة في توظيف المخبرين لا تعد تجسسا وانتهاكا صارخا للدول؟

فضلا عن معطيات تقنية وتسريبات ووثائق ومقابلات مع اشخاص تقول المنظمة إنهم كانوا اهدافا للمراقبة.
وهنا يفرض السؤال نفسه، بعيدا عن المواقف الجاهزة والشعارات المعلبة: من يراقب من؟ ومن يتتبع من؟ ومن يجمع المعلومات عن الآخر؟
إذا كانت الدولة المغربية متهمة باستعمال التكنولوجيا والمصادر البشرية لجمع المعلومات عن خصومها ومنتقديها، فإن منظمة دولية بحجم امنيستي تقوم بدورها بجمع معلومات دقيقة عن اجهزة الدولة، وآليات اشتغالها، وأسماء المستهدفين، وتقنيات المراقبة، بل وتستعين بشهادة مصدر كان، بحسب روايته، من داخل المنظومة نفسها.
هل نحن امام مواجهة بين جهاز استخباراتي ومنظمة حقوقية؟ ام امام صراع اكبر حول من يمتلك المعلومة ومن يملك القدرة على الوصول إليها؟
السؤال لا يعني بالضرورة تبرئة طرف او ادانة طرف آخر، لكنه يفرض نفسه على كل من يريد قراءة التقرير بعين صحفية لا بعين دعائية.
فالاتهامات الواردة في تقرير امنيستي خطيرة، وبعضها يستند الى ادلة تقنية قالت المنظمة إنها تحققت منها، بينما تظل مسؤولية الدولة المغربية عن الوقائع المنسوبة اليها موضع رفض ونفي من جانب السلطات المغربية في قضايا سابقة، كما ان وجود رقم هاتف ضمن سجلات الاستهداف لا يعني تلقائيا، بحسب منتقدي التقرير، أن الهاتف اخترق فعلا أو أن ذلك وحده يثبت سلسلة المسؤولية السياسية كاملة.
وبين رواية امنيستي ورواية السلطات المغربية، تبقى الحقيقة هي الضحية المحتملة اذا تحول النقاش الى معسكرين: معسكر يصدق كل ما تقوله المنظمة، ومعسكر يرفض كل ما تقوله الدولة.
لذلك، ربما يكون السؤال الاكثر اثارة ليس: هل المغرب يتجسس على الصحافيين والنشطاء؟
بل: من يتجسس على من؟ ومن يراقب من؟ ومن يملك الحقيقة الكاملة؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق ان يفتح حوله النقاش، بعيدا عن التخوين والتبرئة المسبقة.