لا يقتصر الرهان الذي يواجه المجموعة النيابية لتحالف اليسار بمجلس النواب على ممارسة المعارضة ومساءلة الحكومة، بل يمتد إلى إمكانية إحداث تحول في لغة النقاش البرلماني، من خلال خطاب يربط بين الحريات الفردية والجماعية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، والحقوق الاقتصادية، ومطالب الفئات التي تنتظر من المؤسسة التشريعية أجوبة ملموسة عن انشغالاتها اليومية.
وتكتسب هذه التجربة خصوصيتها من تركيبتها النسائية اللافتة، إذ تضم المجموعة ست نائبات من أصل ثمانية، تتقدمهن نبيلة جلال، التي تتولى رئاسة المجموعة في المرحلة الأولى من الولاية التشريعية، ونبيلة منيب، القيادية في الحزب الاشتراكي الموحد، التي يرتقب أن تتولى الرئاسة في مرحلة لاحقة وفق مبدأ التناوب المعتمد بين مكونات التحالف. وإلى جانبهما، تحضر أسماء فاطمة الزهراء عبدون، ومنية رشاشي، وسعاد فريقش، وسناء فوزي، ضمن تركيبة تجمع بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد.

ولا تكمن أهمية هذا الحضور في العدد وحده، بل في ما يمكن أن يتيحه من إمكانات لتوسيع دائرة النقاش السياسي داخل البرلمان، وإبراز قضايا قد تتراجع أحيانا أمام التجاذبات الحزبية والحسابات الانتخابية. فالدفاع عن المساواة وتكافؤ الفرص، ومحاربة الهشاشة، وتحسين أوضاع النساء في سوق الشغل، وتطوير الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، إلى جانب قضايا الشباب والقدرة الشرائية والحريات، كلها ملفات يمكن أن تشكل أرضية لخطاب معارض يربط المطالب الحقوقية بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.
وتحضر نبيلة منيب في هذا السياق باعتبارها وجها سياسيا معروفا بمواقفها اليسارية والحقوقية، فيما تتولى نبيلة جلال مسؤولية تنسيق العمل البرلماني للمجموعة في مرحلته الأولى. ويضع هذا التقاطع بين الحضور السياسي لمنيب والمسؤولية التنظيمية لجلال أمام المجموعة تحديا يتمثل في تحويل تنوع التجارب والمواقف إلى عمل جماعي منسجم، قادر على إنتاج أسئلة دقيقة ومقترحات تشريعية تستند إلى معطيات وحاجات ملموسة، لا إلى المواقف العامة وحدها.
كما أن وجود أربع نائبات أخريات إلى جانبهما يفتح المجال أمام توزيع الأدوار وتوسيع قاعدة الترافع بشأن الملفات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. فالتأثير البرلماني لا تصنعه الأسماء المعروفة وحدها، وإنما تصنعه أيضا القدرة على الاشتغال داخل اللجان، وإعداد التعديلات ومقترحات القوانين، ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية، وربط الخطاب السياسي بالوقائع والأرقام والتجارب الميدانية.
وفي المقابل، لا يعني ارتفاع نسبة النساء داخل المجموعة أن الخطاب المختلف سيتحقق بصورة تلقائية؛ إذ يظل ذلك رهينا بوضوح الأولويات، وتماسك المواقف، والقدرة على التنسيق بين مكونات التحالف، فضلا عن تحويل الحضور داخل الجلسات إلى مبادرات قابلة للنقاش والتقييم والمحاسبة. فالمطلوب ليس مجرد معارضة نسائية، بل معارضة سياسية تمتلك رؤية واضحة للبدائل، وتستطيع أن تجعل من قضايا النساء جزءا من مشروع مجتمعي أوسع، لا ملفا معزولا عن قضايا الشغل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
ويكتسب هذا الرهان أهمية إضافية في سياق برلماني تتولى فيه المجموعة موقع المعارضة إلى جانب قوى سياسية أخرى، ما يجعل التميز في الأداء والخطاب رهينا بقدرتها على تقديم إضافة واضحة إلى النقاش العام. فالمواجهة السياسية لا تُقاس بحدة التصريحات وحدها، بل بمدى قوة الحجج، ودقة الأسئلة، وجودة المقترحات، والقدرة على إقناع الرأي العام بجدوى البدائل المطروحة.
وفي النهاية، فإن اختبار نبيلة جلال ونبيلة منيب ورفيقاتهن لن يكون في إثبات أن المعارضة يمكن أن تتخذ وجها نسائيا فحسب، بل في إظهار أن هذا الحضور قادر على تجديد مضمونها وأدواتها. وبين رمزية التمثيلية النسائية ومتطلبات الفعل البرلماني، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من الحضور العددي إلى التأثير السياسي، ومن خطاب الاحتجاج إلى خطاب البدائل، ومن الدفاع عن المطالب إلى تحويلها إلى مبادرات تشريعية ورقابية ملموسة. وعندها فقط يمكن للمعارضة بصيغة المؤنث أن تكتسب معناها السياسي الكامل تحت قبة البرلمان.