تطوان.. مهرجانات عريقة بإشعاع خافت

نعيمة آيت إبراهيم

توصف تطوان، عن استحقاق، بأنها مدينة الثقافة والفنون، وهو وصف لم يأت من فراغ، بل صنعته عقود من التراكم الإبداعي، وما تختزنه المدينة من ذاكرة فنية وتاريخية، جعلتها فضاء حاضنا لمختلف التعبيرات الثقافية، ومنارة للإشعاع المتوسطي. غير أن هذا الرصيد الثقافي الكبير يطرح اليوم سؤالا مشروعا: هل تنجح المدينة في تحويل غناها الثقافي إلى إشعاع حقيقي يوازي مكانتها وتاريخها؟
خلال شهر أكتوبر الماضي، احتضنت تطوان ثلاث تظاهرات ثقافية وفنية كبرى، لكل واحدة منها تاريخها ورمزيتها وامتدادها؛ إذ عاشت المدينة على إيقاع الدورة الحادية والثلاثين من مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 10 أكتوبر، وهي دورة تزامنت مع اختيار تطوان وماطيرا الإيطالية عاصمتين متوسطيتين للثقافة والحوار لسنة 2026. كما احتضنت الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الوطني للمسرح، ما بين 16 و23 أكتوبر، قبل أن تستقبل الدورة السابعة والعشرين من مهرجان العود الدولي، خلال الفترة الممتدة من 29 إلى 31 أكتوبر، تحت شعار “المتوسط الثقافات الثلاث”.
ثلاثة مواعيد ثقافية متعاقبة، تحمل أسماء عريقة وتاريخا من الحضور الفني، وكان من المفترض أن تشكل مجتمعة لحظة استثنائية في المشهد الثقافي المحلي، وأن تمنح تطوان زخما إعلاميا وفنيا يتجاوز حدودها الجغرافية. لكن ما يثير الانتباه هو أن هذه المهرجانات، رغم قيمتها ورمزيتها، لم تحظ جميعها بالإشعاع الذي يفترض أن يرافق تظاهرات بهذا الحجم، وكأنها مرت في كثير من تفاصيلها بهدوء لا يتناسب مع حجم الحدث ولا مع انتظارات مدينة تقدم نفسها باعتبارها عاصمة للثقافة والحوار.
فأين كان ذلك الصدى الإعلامي الذي يفترض أن يرافق مهرجانا سينمائيا دوليا في دورته الحادية والثلاثين؟ وأين هو الحضور الجماهيري والتفاعل المجتمعي الذي يجعل من المهرجان الوطني للمسرح مناسبة ثقافية تتجاوز قاعات العروض إلى الفضاء العام؟ وهل يتعلق الأمر بضعف في التواصل والتسويق الإعلامي، أم باختلالات في التدبير والتنظيم، أم أن هناك تراجعا في اهتمام الجمهور بالشأن الثقافي؟ أسئلة تظل مفتوحة، لكنها تستحق نقاشا جادا بدل الاكتفاء بالتعامل مع هذه التظاهرات باعتبارها مجرد محطات عابرة في أجندة الأنشطة السنوية.
ولعل مهرجان العود الدولي كان الأكثر حضورا في الواجهة، خصوصا مع مشاركة الفنان والموسيقار اللبناني مارسيل خليفة، الذي استقطب اسمه اهتماما واسعا، ومنح الافتتاح زخما فنيا وإنسانيا لافتا، خاصة بعد إهدائه أغنية “منتصب القامة أمشي” إلى أرواح شهداء غزة ولبنان. غير أن هذا الحضور لم يحجب بدوره بعض الملاحظات المرتبطة بالتنظيم، والتي أثارت استياء عدد من الحاضرين والساكنة، في مشهد يكشف أن قيمة الفنانين والبرمجة الفنية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لضمان نجاح التظاهرة إذا لم تواكبها ظروف تنظيمية تليق بالجمهور وبالمهرجان.
فنجاح المهرجانات لا يقاس فقط بأسماء الفنانين المشاركين، ولا بعدد الدورات التي راكمتها، ولا بالبلاغات الرسمية التي تعلن عن انطلاقها واختتامها، بل بمدى قدرتها على خلق دينامية ثقافية حقيقية، واستقطاب الجمهور، وتحقيق تفاعل إعلامي واسع، وترك أثر يتجاوز أيام تنظيمها. فالمهرجان الناجح هو الذي يشعر المواطن بأنه جزء منه، لا مجرد متفرج على حدث ينظم في مدينته دون أن يجد دائما الطريق الكافي للوصول إليه أو المشاركة في تفاصيله.
إن الإشكال لا يكمن في قلة المهرجانات أو غياب المبادرات الثقافية، بقدر ما قد يكمن في كيفية تدبيرها والتعريف بها، وفي مدى الانفتاح على الإعلام المحلي والوطني، وإشراك الفاعلين الثقافيين والجمعويين، والاستثمار في التواصل قبل التظاهرة وأثناءها وبعد انتهائها. فالإعلام ليس تفصيلا مكملا للتنظيم، بل أحد مكونات نجاح أي مشروع ثقافي، كما أن الجمهور ليس رقما في حصيلة الحضور، وإنما شريك أساسي في صناعة القيمة الرمزية لأي مهرجان.
تطوان لا ينقصها التاريخ الثقافي، ولا تفتقر إلى الكفاءات والإبداع، ولا تحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تكرر أنها مدينة الثقافة؛ ما تحتاجه هو أن تتحول هذه المكانة إلى ممارسة ملموسة، وإلى مهرجانات تنظم بمهنية، وتسوق بذكاء، وتنفتح على محيطها، وتمنح ساكنتها حقها في المشاركة والاستمتاع والاعتزاز.
فليس من المنطقي أن تحتضن مدينة بثقل تطوان الثقافي تظاهرات عريقة بهذا الحجم، ثم ينتهي بعضها دون أن يترك الصدى المنتظر. وبين عراقة المهرجانات وخفوت إشعاعها، تظل هناك فجوة تستدعي الوقوف عندها ومساءلة الجهات المنظمة: هل نكتفي بتنظيم المهرجانات حفاظا على استمراريتها، أم نعمل فعلا على جعلها رافعة لإشعاع المدينة الثقافي والإعلامي؟

Comments 1

  1. عبدالله المتقي says:

    في الصميم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist