فريدريش نيومان والصحافة المغربية.. حين كانت الأقلام تصنع الصحافيين قبل أن تصبح البطاقة عنوان المهنة

إدريس العمراني

في خضم النقاش الدائر خلال الآونة الأخيرة حول مفهوم الصحافي والصحافي المهني، وبطاقة الصحافة المهنية التي يتولى المجلس الوطني للصحافة إصدارها وتسليمها وفق الضوابط القانونية، يبرز سؤال يستحق العودة إلى الذاكرة: كيف كانت الصحافة المغربية تمارس مهنتها قبل أن تصبح البطاقة المهنية محور النقاش والجدل؟
إن استحضار هذا السؤال يقتضي العودة إلى مراحل مهمة من تاريخ الصحافة الوطنية، واستحضار الأدوار التي اضطلعت بها المؤسسات والهيئات المهنية والنقابية في تأهيل الصحافيين، وفي مقدمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، باعتبارها إطارا نقابيا ومهنيا تاريخيا، ساهم في الدفاع عن حقوق الصحافيين وتأطيرهم والترافع عن قضايا المهنة.

صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي تجمع الصحف الصادرة من تطوان وكذا بعض الوجوه الإعلامية التي ساهمت في تلك الفترة في الأعلى:أحمد الخمسي والأمين مشبال في الأسفل: من اليمين إلى اليسار العياشي أبو الشتاء/ عبد العزيز الطريبق/ محمد شقور

فقبل ظهور الإعلام الرقمي والمواقع الإلكترونية، كانت الصحافة الحزبية تشكل أحد الأعمدة الأساسية للمشهد الإعلامي المغربي. وكانت الأحزاب السياسية تتوفر على منابرها الخاصة، التي ساهم في تحريرها جيش من الأقلام، ضم صحافيين وكتابا ومثقفين وفاعلين سياسيين، كان كثير منهم يكتبون تطوعيا، إيمانا برسالة الصحافة وبالدور الذي يمكن أن تؤديه في نشر الأفكار والتعبير عن المواقف والتأثير في الرأي العام.
وإلى جانب الصحافة الحزبية، كان هناك الإعلام الرسمي ممثلا في الإذاعة والتلفزيون ووكالة المغرب العربي للأنباء، وهي مؤسسات شكلت مكونات أساسية في بنية الإعلام الوطني، في مرحلة كانت فيها الصحيفة الورقية تحتل مكانة مركزية في تشكيل الرأي العام.

ومع أواخر تسعينيات القرن الماضي، بدأ المشهد الإعلامي المغربي يعرف تحولات لافتة، مع بروز الصحافة المستقلة والصحافة الجهوية، وظهور تجارب إعلامية جديدة ساهمت في توسيع هامش النقاش وكسر مركزية المعلومة. ومن بين التجارب التي طبعت تلك المرحلة صحيفتا «الصحيفة» و«لوجورنال»، مجلة تيل كيل (TelQuel) ومجلة نيشان واسبوعين الأيام إلى جانب عدد من المنابر المحلية والجهوية التي حملت قضايا المدن والمناطق إلى واجهة الاهتمام الإعلامي.


في تلك المرحلة، لم تكن بطاقة الصحافة تحظى بالقيمة الاعتبارية التي أصبحت تكتسيها اليوم في ظل التنظيم القانوني للمهنة. فقد كان الحضور الصحافي يقاس، إلى حد بعيد، بما ينتجه الصحافي من مقالات وتحقيقات وافتتاحيات، وبقدرته على الوصول إلى القراء وإثارة النقاش حول القضايا العامة. كانت الأقلام هي التي تصنع أسماء أصحابها، وكانت جودة الكتابة والالتزام المهني والقدرة على معالجة القضايا المجتمعية من أبرز مقاييس الاعتراف بالصحافي.

فريدريش نيومان.. محطة بارزة في تاريخ التكوين الصحافي بالمغرب

ضمن هذا المسار التاريخي، يبرز اسم مؤسسة فريدريش نيومان الألمانية من أجل الحرية، التي ارتبط حضورها بالمغرب منذ سنة 1969، من خلال مساهمتها في دعم التكوين الصحافي وتأهيل الموارد البشرية العاملة في القطاع.
وقد شكل التعاون بين المؤسسة والجهات المغربية محطة مهمة في إرساء التكوين الصحافي المنظم، من خلال المساهمة في إحداث مركز تكوين الصحافيين، الذي شكل نواة للتجربة المؤسساتية التي تطورت لاحقا إلى المعهد العالي للصحافة، قبل أن يحمل اسم المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.
ولم تقتصر أهمية هذه التجربة على التكوين الأكاديمي، بل امتدت إلى دعم التكوين المستمر وتطوير المهارات المهنية، ومواكبة التحولات التي عرفتها الصحافة المغربية، سواء على مستوى التحرير أو المعالجة الصحافية أو أخلاقيات المهنة.
وقد اكتسبت هذه المبادرات أهمية خاصة خلال تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت الصحافة الجهوية تفرض حضورها، وأصبح تكوين الصحافيين والمراسلين المحليين ضرورة لمواكبة اتساع دائرة النشر وتنوع القضايا المطروحة أمام الرأي العام.

تطوان.. ذاكرة تكوينية تستحق الاستحضار

وبصفتي أحد الذين عاصروا تلك المرحلة، أشهد أن مكتب فرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بتطوان نظم، خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، سلسلة من الدورات التكوينية بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية والمعهد العالي للصحافة والإعلام، استهدفت الصحافيين والمراسلين وممثلي عدد من المنابر الإعلامية الجهوية، إلى جانب مراسلي الصحف الوطنية.
ولم تكن تلك الدورات مجرد لقاءات عابرة، بل شكلت تجربة مهنية غنية، تنوعت محاورها بين الأجناس الصحافية الكبرى، من تحقيق وروبورتاج وحوار، وتقنيات صياغة الخبر وتحريره، فضلا عن تكوينات متخصصة في تسيير وتدبير المقاولات الصحافية، وكيفية إعداد وإدارة صحيفة جهوية باعتبارها مشروعا إعلاميا له متطلباته التحريرية والإدارية والمالية.
كما امتدت برامج التكوين إلى قضايا حقوق الإنسان والبيئة، في محاولة لربط الممارسة الصحافية بالقضايا المجتمعية والحقوقية والرهانات التنموية، بما يعزز دور الصحافة في التوعية والمراقبة ونقل انشغالات المواطنين.
وقد استفادت من هذه المبادرات، إلى جانب عدد من مراسلي الصحف الوطنية، مجموعة من المنابر الجهوية التي كانت تنشط آنذاك في شمال المغرب، من بينها صحف “الأنوار” و”الجسر” و”تمودة” و”آخر خبر” و”الجهة”، وغيرها من التجارب الإعلامية التي ساهمت في تنشيط الحياة الصحافية المحلية والجهوية.
وتستحضر الذاكرة المهنية عددا من الأسماء التي ساهمت في تأطير هذه اللقاءات والدورات، من بينها لطيفة أخرباش، وعبد الإله المنصوري، وأحمد أخشيشن، المرتبطون بالتجربة التكوينية للمعهد العالي للصحافة، إلى جانب الصحافيين نور الدين مفتاح ويونس مجاهد وعبد الله البقالي، وآخرين من الفاعلين في المجال الإعلامي.
لقد كانت تلك اللقاءات فضاء للتعارف وتبادل الخبرات والاحتكاك بين أجيال مختلفة من الصحافيين، كما أتاحت للأقلام الجهوية فرصة تطوير أدوات اشتغالها والانتقال من الممارسة القائمة أساسا على التجربة الشخصية إلى العمل الصحافي المؤطر بالمعرفة والتقنيات المهنية.
وكان من اللافت في تلك التجربة أنها لم تقتصر على تعليم تقنيات الكتابة والتحرير، بل امتدت إلى التفكير في الصحيفة باعتبارها مقاولة إعلامية، لها مشروعها التحريري وتدبيرها الإداري والمالي، وهو جانب ظل يشكل أحد أبرز التحديات أمام الصحافة الجهوية.
من قيمة القلم إلى قيمة البطاقة المهنية
إن استحضار هذه المحطات لا يعني التقليل من أهمية بطاقة الصحافة المهنية، ولا من دور المجلس الوطني للصحافة في تنظيم القطاع وضبط شروط الولوج إلى المهنة، كما لا ينتقص من الدور التاريخي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية باعتبارها إطارا نقابيا للدفاع عن الصحافيين وحقوقهم المهنية والاجتماعية.
غير أن الفرق يظل قائما بين الصفة المهنية التي تثبتها البطاقة وفق الشروط القانونية، وبين القيمة الصحافية التي يصنعها الإنتاج الإعلامي والتجربة والالتزام بأخلاقيات المهنة. فالبطاقة، مهما كانت أهميتها التنظيمية، لا يمكن أن تكون وحدها مقياسا للكفاءة أو الإبداع أو جودة العمل الصحافي.
لقد عرف المغرب، خلال مراحل مختلفة، صحافيين وكتابا ومراسلين تركوا بصماتهم في تاريخ الصحافة الوطنية والجهوية، وفرضوا أسماءهم من خلال المقالات والتحقيقات والافتتاحيات، في زمن لم تكن فيه الوسائل الرقمية متاحة، وكانت الصحيفة الورقية هي المنبر الأساسي للتعبير والوصول إلى القارئ.
أما اليوم، فقد اتسعت دائرة النشر بفعل انتشار المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأصبح التمييز بين الصحافي المهني وممارس النشر الرقمي أكثر إلحاحا، كما أصبحت الحاجة إلى التكوين المستمر والتحقق من الأخبار واحترام أخلاقيات المهنة مسؤولية لا تقبل التهاون.
إن تاريخ الصحافة المغربية يذكرنا بأن المهنة لم تصنعها البطاقات والمؤسسات وحدها، وإنما ساهم في بنائها صحافيون آمنوا برسالة الكلمة، ومؤسسات وفرت فرص التكوين، وهيئات نقابية دافعت عن الممارسة المهنية وحقوق العاملين بها.
ولعل تجربة فريدريش نيومان، وما ارتبط بها من مبادرات تكوينية بتطوان خلال تسعينيات القرن الماضي، تستحق أن تحظى بمزيد من التوثيق، من خلال العودة إلى أرشيف النقابة الوطنية للصحافة المغربية، واستحضار شهادات الصحافيين الذين عايشوا تلك المرحلة، قبل أن تطوي التحولات الإعلامية والتكنولوجية صفحات مهمة من ذاكرتها.
ففي الأمس كانت الأقلام تصنع أسماء الصحافيين، واليوم ينبغي أن تظل البطاقة مدخلا لممارسة مهنية مسؤولة، لا غاية في حد ذاتها. فجوهر الصحافة لا يقاس بما يحمله الصحافي في جيبه، وإنما بما يقدمه للقارئ من حقيقة ومعلومة وتحليل، وبما يتحلى به من استقلالية ونزاهة ومسؤولية.
فالصحافة أكبر من بطاقة، والمهنية ليست مجرد صفة إدارية، بل ممارسة يومية تثبتها الكلمة والموقف والالتزام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist