جيّدون جدّا…

عبد الله المتقي

بعض البشر يتحدثون بثقة عن الطّيبة، ويمارسون النّفاق بمنتهى الإبداع.
شكسبير

جيّدون جدّا.. في زيارة المقابر، والموتى، وصناعة الموت، وشحذّ السّكاكين لذبح الأضاحي، ولا نلتفت إلى عيون الحياة إلا لماما وقليلا.
جيّدون جدّا.. في قراءة صفحات عن الحبّة السّوداء، والحلبة التي توزن بالذّهب، وعن الزنجبيل، وسكين جبير.
جيّدون جدّا.. في الإنصات بهدوء وخشوع لأهوال وعذاب القبر، ولا نتصفّح ديوانا للشّاعر أولاد أحمد، أو حتّى  نتصفح عتبات رواية ” الأيام الأربعة ” .
جيّدون جدّا.. في تقشيرنا وعضّنا، في نشر عيوبنا على حبال الغسيل.. وفي مضغنا وتلمظنا وأكل لحومنا، حيّة وميتة وبأنياب حادّة تصل حتّى العظم.
جيّدون جدّا.. في ” تشراك الفم “، في التآمر، والكولسة، وفي كل مكان، في الحافلات والمخابز والمدارس والمقاهي الحانات، وحتى يوم العيد  الجمعة،
جيّدون جدّا.. في تشويهنا وتلويثنا غيابيا، وفي حضورنا نتبادل ضحكنا المغشوش كما العشاق الحقيقيون.
جيّدون جدّا… في ظلا لنا، في نرجسيتنا وانتفاخنا، في أرنبات أنوفنا، ونطلّ علينا من برج شاهق وعاجي، نتنفس من منخر واحد، بيد أننا نخاف وتصطك أسناننا من خشخشة جرذ في عزلتنا..
جيّدون جدّا.. في العرقلة، ونقاط النظام، وأصابع الاتهام، في النّسف، والإفشال وإفراغ العجلات من الهواء،
جيّدون جدّا.. في العواصف، والرعود، ورداءة أحوال الطقس. في الخسران والإحباط، ولا نعبر حتى مسربا صغيرا كي نصل ونقبض على الحلم.
جيّدون جدّا.. في الجمع بين السّياسة والسّياسويّة، بين السّياحة والتّهريج، بين الدّين والتّجارة، بين البرلمال والبرلمان، وبين الإمامة والحزب والنّقابة.
جيّدون جدّا.. في السّلخ والرّكل، في والرفس والافتراس، في الدّم القاني، والتّكبير والحوقلة، والبسملة احتفاء بالموت.
جيّدون جدّا… في ترديد الشّعارات النخبة والجوفاء، في الدّعاء على العدو بالدّمار، وتهديده بعتاد وذخيرة جيش خيبر.
جيّدون جدّا.. في فقء العيون، في الضرب من الخلف وبرتبة جنرالات الجبن، وبأحذية ملطخة بالرّوث ومبللة ببول النّوق.
جيّدون جدّا.. في محبّة الجحيم والزّبانية، في عشق القسوة والسّادية، في الفتاوي  الخيال الديني ، وفي تعذيبنا  وتقزيمنا وبكامل أبهتنا.
جيّدون جدّا.. في تقشير الورد، في نتف ضفائر الأشجار، في البول على الجدران والأشجار.. وفي كراهية الأناقة ورائحة العطر..
جيّدون جدّا.. وإلى أن ينام القمر، وسلاما وليشرب البحر كل أعدائنا في البرّ والبحر والجوّ.
جيّدون جدّا في الغمز والهمز واللّمز، ولغة الإشارة، في الشماتة وتزوير صناديق الاقتراع والضحك على البلاد والعباد.
جيّدون جدّا في الوجوه المتعدّدة لوجه واحد، في الأقنعة وتراكم القناع فوق القناع، وعللنا لا بأس عليها.
جيّدون جدّا.. في تعدّد علاقاتنا الغراميّة وتنويعها، في أعطاب جيناتنا وهرموناتنا الجنسيّة، في فحولتنا وأبيسيتنا، وكتابة بيانات وتنظيرات حولها.
جيّدون جدّا.. في جهاد النّكاح وفي تعدّد الزّوجات والخليلات، وفي زواج المتعة، وتقوية الجماع بمزيج المكسرات والعسل.
جيّدون جدّا.. في تبخيس وترخيص أجسادنا، وفي تسليع مبادئنا في أسواق الخردة الّسياسيّة والنّقابيّة.
جيّدون جدّا.. في الرّقص على الحبال، وحتّى الدّوس على مستقبل أطفالنا وجثثتهم، من أجل إشباع أوهامنا وثنائيّتنا القطبيّة.
جيّدون جدّا.. في تسييس الله، في تنقيب الأنبياء، وفي تجييش الملائكة، وزراعة ألغام الموت، حتى ضدّ المساكين والرعاة وماسحي الأحذية.
جيّدون جدّا.. في قتل ضمائرنا وتحويلها إلى خائبة، في تحليقنا ميتافيزقيا، في تشريد أطفالنا، على حساب خيباتنا.
جيّدون جدّا جدّا وكثيرا… وإلى أن ينام القمر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist