عطارد ” والجحيم

عبد الله المتقي

الجحيم لا يقلّ دقّة عن محضر جلسة.

إميل سيوران

—-

ما الذي يمكن أن يكتبه روائيّ ” رقايقي “، حيال واقع مثقل بالإحاطات والهزائم، وحيال شعوب طالما انزلقت إلى هاوية الخدعة بعدما تحوّلت أحلامها الورديّة إلى مشاهد جنائزيّة توحي بالقيامة، سوى رواية قلقة تراوح بين العجيب والواقع، بين الجحيم والكوابيس، وبين المتاهات والجنون.

هذه هي العصارة التي أمسكت بها، وأنا أنتهي من رواية ” عطارد ” للمصريّ محمد ربيع و” التي اختيرت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرّواية العربية (البوكر) 2016.

منذ البداية يضعك محمد ربيع أمام مشهدين دموين، سواء بذبح أضحية العيد أو بذبح أب لزوجته وأبنائه وأبيه في مشهد مرعب لكنّه مشوق، ثمّ يتفتّح الحكيّ بعدها على مجموعة من المشاهد في الحياة التي ترادف كل أشكال الجنون، من قتل وعنف دموي يبلغ حدّ الموت، بل أن رجال الشرطة أنفسهم يميلون إلى الانتحار من شدّة الضّغط النّفسيّ.

بعد هذه الافتتاحية الدمويّة والكفكاويّة، تنتقل ” عطارد ” بين فترة ثورة يناير 2011 وما أعقبها… وفترة الاحتلال الأجنبيّ لمصر في 2025. ثمّ العودة إلى عام 455 هـ، لتحكي عن احتلال مصر عام 2023 من قبل الجيشين الرّابع والخامس لـ “فرسان مالطا”. لأنّ أجهزة الدّولة كانت متداعية؛ ممّا يسّر المهمّة على جيش الاحتلال الذي استطاع أن يفجّر قواعد الجيش المصريّ بأكملها في أسبوع واحد.

عبر هذه الحقب التّاريخيّة يتوصّل البطل ” عطارد ” إلى حقيقة خلاصتها أنّنا في الجحيم منذ زمن طويل، كلّ ما في الأمر أنّنا لا نعرف حقيقة كوننا في الجحيم..و أنّنا وصلنا إلى النّهايات بالفعل ولم نفق بعد مما نحن فيه أبدا.

مسك الختام، كيف ننتهي من ” عطارد” ؟

سؤال لا نملك سوى القول إنّ هذه الرّواية نصّ قلق والتقط بذكاء ذبذبات الأحداث الفادحة التي توالت تباعا سراعا في المجتمع المصريّ، وبذلك تكون رواية حمراء، كتبت عن الدّم الذي أريق بدءا من ثورة يناير وما تلاها من أحداث، وعن عتمة المستقبل، وعن جحيم الماضي. حتّى أن ” الدّافع الرئيسيّ لكتابتي عطارد هي ثورة يناير، وكلّ ما تلاها من الهزائم تدريجيّا” يقول محمد ربيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist