صناعة حلم (3): عندما قلب الصراع في مليلية العلاقات الدولية رأسا على عقب

أحمد الخمسي
عندما قلب الصراع في مليلية العلاقات الدولية رأسا على عقب
*
في مثل هذا الشهر شتنبر، اشتعل صراع داخلي بين الوطاسيين في فاس والريف، كانت ضحيته مدينة مليلية التي تخربت بأيدي محلية، وهرب منها باقي السكان.
توصّل الملوك الكاثوليك الاسبان بالخبر الصغير الذي حدث في مليلية. وكان طرد المسلمين من غرناطة (1492) ما زال طريا مرت عليه بالكاد خمس سنوات (1497). وما زالت حماسة الاسبان في أوجها، وتوجه إيزابيلا هو احتلال افريقيا قصد منع الترك من الاستقواء بسكانها المسلمين. فوجدوا في الحالة المستجدة في ذاك الموقع الصغير على الساحل المتوسطي قبالة مالقة، فرصة ذهبية، لوضع قدم ثانية اسبانية بعد القدم المسيحية البرتغالية الأولى في سبتة.
كان الصراع داخل الدولة الاسبانية، بين من يرون احتلال المغرب أولى ومن يرون الذهاب الى الهند بحرا من جهة الغرب أولى. الرأي الأول سياسي ديني ضد المسلمين الترك، والرأي الثاني سياسي اقتصادي يرون أن القوة الاقتصادية هي الضمانة الأولى لربح كل الرهانات السياسية والدينية ما دامت القوة الاقتصادية قادرة على صناعة الغذاء والسلاح معا.
تغلب الرأي الأول السياسي الديني الذي رفعت ايزابيلا رايته. وأمرت بإلغاء السفر الثاني الذي كان كريستوف كولومب قد جهز له الأسطول والمؤونة في جبل طارق في اتجاه الهند غربا (أمريكا). أصاب البؤس واليأس كريستوف كولومب واتجهت السفن نحو مليلية لاحتلالها. وهي ساعتها لا تزيد عن كونها تجمعا سكانيا صغيرا، لكن القيمة الرمزية كبيرة بالنسبة لاسبانيا في مواجهة الترك.
لكن احتلال المدينة طرح مشكلا سياسيا بين البرتغال واسبانيا، فقد سبق للبلدين، أن اتفقا (4 شتنبر 1479) على اقتسام مجهود الحرب ضد المسلمين. فأصبحت مملكة فاس من نصيب البرتغال، وإمارة تلمسان وما يليها شرقا من نصيب الاسبان.
ولأن المصالح هي المحرك الأصل، فقد تحايل الاسبان على البرتغاليين واعتبروا مليلية جزءا من إمارة تلمسان لذلك حق لهم احتلالها بدل البرتغاليين.
*
بعد إلغاء مشروع السفرة الثانية لاستكمال السيطرة على أمريكا، وهو تنازل من اسبانيا لفائدة البرتغال مقابل السيطرة على مليلية، قبلت اسبانيا بالقرار القاضي عدم تجاوز مدينة الصويرة جنوبا وترك أمر الملاحة فيه للبرتغال.
*
ولكي تعزز ايزابيلا موقفها تجاه البرتغال وتبرير خرق الاتفاقات السابقة معه، تنازلت اسبانيا مؤقتا عن صراعها مع فرنسا بصدد إمارة نابولي في إيطاليا. حتى لا تنضم فرنسا لمؤازرة البرتغال.
*
قبل البرتغاليون بالأمر الواقع، ورسخت اسبانيا احتلالها لمليلية، وصرفت ملايين عملتها التي بقيت تحمل الاسم المغربي: المرابيديس (=المرابطي).
*
هكذا نجد الدول عندما تكون في مرحلة الصعود، تكون لها حاسة سادسة، تلهمها صوابين سياسيين: صواب “التموقع” في المكان المناسب. وصواب “التوقع” حول ما سوف يجري في المستقبل، وما سوف تؤكده الأحداث العالمية.
فتتمكن من ترسيخ تموقعها المكتسب، وانطلاقا منه، تسعى للحصول على مكتسبات موالية تزيدها قوة على قوة.
*
فيما بعد الوطاسيين، الذين آخر مرحلة من طاقة العصبية القبلية في المغرب (نظرية ابن خلدون التي فسرها محمد عابد الجابري بدقة)، ليتأسس نوع مستجد من العصبية السيادية في المغرب، وهي عصبية الدفاع عن التراب الوطني بقيادة الشرفاء. وهو ما جسده السعديون واستكمله العلويوون إلى اليوم.
*
عندما أصبح العالم المتوسطي بثلاث قوى العثمانيون والاسبان والمغاربة، أصبح سلاطين المغرب يواجهون طمع العثمانيين الترك في ابتلاع المغرب ليصبح مجرد إقليم تابع لهم، ويواجهون الاسبان الذين اشتغلوا على تنفيذ وصية ايزابيلا لاحتلال افريقيا بدءا من الجزائر (تلمسان).
أما تعامل سلاطين المغرب، فلأن احتلال المدينتين (سبتة ومليلية) لم يكن يؤثر على اقتصاد البلاد، ولأن وجودهما في حوزة السياسة الاسبانية والبرتغالية، كان ذلك رادعا للترك حتى لا يجرؤوا على غزو المغرب، لأنهم سيهددون في نفس الوقت اسبانيا والبرتغال، فعصمة الخلافة لديهم تفل قليلا من مقاومة جزء من المغاربة. في حين بقيت مواجهة الاسبان والبرتغاليين نقطة القوة الشعبية للمواجهة في أية لحظة يتجاوز الايبيريون الخطوط الحمر المغربية.
مما جعل وضع المدينتين مؤشرا على تجديد مناعة السياسة السيادية المغربية ضد الترك والاسبان والبرتغاليين في آن. من باب “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”.
*
هكذا أصبح احتلال مليلية عنصرا مخصبا للعلاقات الدولية وقد جرى نهاية القرن15، مما سيقوي مناعة المغرب، بل ويسيل لعاب البرتغاليين نهاية القرن 16، كما سيقع في معركة وادي المخازن. خصوصا وأن الاتفاق بين اسبانيا والبرتغال حول تقسيم النفوذ جرى في مثل هذه الفترة يوم 4 شتنبر من سنة 1479، كما سبق ذكره في النقطة الأولى من المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist