تطرح التحولات السياسية في إسبانيا، ولا سيما احتمال صعود الحزب الشعبي المحافظ (PP) إلى السلطة وتحالفه أو تقاربه مع اليمين المتطرف ممثلاً في حزب فوكس (Vox)، تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقات المغربية–الإسبانية. القضايا الخلافية المعقدة، مثل الهجرة غير النظامية وملف سبتة ومليلية، تجعل مواقف أي حكومة جديدة ذات تأثير مباشر على المغرب. ومن أجل استيعاب انعكاسات هذا المشهد، من المهم التمييز بين طبيعة اليَمِينَيْن في إسبانيا:
الحزب الشعبي الذي يمثل تياراً محافظاً تقليدياً، يقوم على الاقتصاد الحر والدفاع عن وحدة الدولة والقيم التقليدية، لكنه عُرف بقدر من البراغماتية في السياسة الخارجية؛ والحكومات التي قادها لم تتردد، رغم الأزمات المتكررة، في الحفاظ على قنوات التعاون مع المغرب في مجالات الأمن والهجرة والتبادل التجاري.
اليمين المتطرف فوكس Vox حزب صاعد بخطاب قومي متشدد، يستند إلى الشعبوية اليمينية. يتبنى مواقف صارمة ضد الهجرة، خاصة من شمال إفريقيا، ويؤكد بشكل متكرر على “إسبانية” سبتة ومليلية، ويرفض أي نقاش حول مستقبلهما. كما يبني تحالفات أيديولوجية مع تيارات يمينية متطرفة أوروبية مثل مارين لوبان في فرنسا أو جورجيا ميلوني في إيطاليا.. كما لا يخفي قياديوه تشكيكهم في الشراكة مع المغرب، ويؤكدون بشكل متكرر على ضرورة تشديد الرقابة على الحدود والتعامل بصرامة مع ملف سبتة ومليلية، ما يجعل أي مشاركة أو تأثير له في الحكومة عاملاً مقلقاً بالنسبة للعلاقات الثنائية.
تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية وصعود Vox جعل الحزب الشعبي يخشى فقدان ناخبيه المحافظين لصالح اليمين الشعبوي ،لذلك بدأ قادةالحزب الشعبي PP في تبني خطاب أكثر تشدداً في قضايا الهجرة، الهوية، ووحدة التراب الإسباني، لتفادي نزيف الأصوات. هذا “الانزياح إلى اليمين” يقلل من المسافة السياسية بين PP و Vox ويفتح المجال لتحالفات محلية أو وطنية، كما حدث في بعض الحكومات الجهوية.
رغم التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات المغربية–الإسبانية في عهد حكومة بيدرو سانشيث، تظل هذه العلاقات معقدة وحساسة بحكم تشابك المصالح وتعدد الملفات الخلافية.
صعود حزب Vox الشعبوي وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية دفع الحزب الشعبي (PP) إلى تبني خطاب أكثر تشدداً في قضايا الهجرة، الهوية، ووحدة التراب الإسباني، في محاولة لتفادي نزيف أصواته نحو اليمين المتطرف. هذا الانزياح نحو اليمين يُقلّص المسافة الفاصلة بين PP وVox ويفتح الباب لتحالفات على المستوى المحلي أو الوطني، كما حصل في بعض الحكومات الجهوية.
في ملف سبتة ومليلية ، يُرجَّح أن يتبنى أي تحالف بين اليمين واليمين المتطرف خطاباً أكثر صرامة بشأن المدينتين، مع رفض تام لأي إشارة إلى الطابع الاستعماري للمدينتين أو إمكانية التفاوض حولهما، بل وقد نشهد تصعيداً سياسياً وإعلامياً ضد المغرب كلما أثير هذا الملف.
في ملف الهجرة، يُركِّزُ Vox على ما يسميه “التهديد الديموغرافي”، ويدعو إلى إغلاق الحدود وتشديد المراقبة. هذا الموقف يضغط على الحزب الشعبي بدوره لتبني سياسات أقل مرونة تجاه التعاون مع المغرب، وهو ما قد يعرقل التفاهمات الثنائية التي تقوم عادة على أساس مقايضة تعاون المغرب في ضبط تدفقات الهجرة مقابل تسهيلات اقتصادية أو سياسية من الجانب الإسباني والأوروبي.
على الصعيد الأوروبي، من المحتمل أن يعزز Vox تحالفاته مع قوى اليمين المتطرف الصاعدة في القارة، ما قد ينعكس على الموقف الإسباني داخل الاتحاد الأوروبي ويدفعه نحو خط أكثر تشدداً في قضايا الهجرة، وهو ما سيؤثر سلباً على علاقة المغرب بمؤسسات الاتحاد.
مع ذلك، يظل هناك إدراك داخل الحزب الشعبي بأهمية الحفاظ على قنوات التعاون مع المغرب في المجالات الاستراتيجية مثل التجارة، مكافحة الإرهاب، والأمن الطاقي. غير أن الضغوط الشعبوية قد تجعل هذا التعاون هشاً وأكثر عرضة للأزمات المفاجئة والمفتعلة.
في موضوع الصحراء المغربية، من المرجح أن يستمر الموقف الإسباني الجديد من هذه القضية ، نظراً لارتباطه المباشر بمصالح مدريد الاستراتيجية، ولقربه من الموقف الأميركي الذي أعلنه الرئيس ترامب وأبقى عليه الرئيس بايدن. وهو ما يجعل أي تراجع في هذا الملف غير مرجح، حتى في حال صعود تحالف يميني إلى السلطة في مدريد.
خلاصة القول: إن صعود اليمين الإسباني واحتمال تحالفه مع اليمين المتطرف سيُعقّد إدارة الملفات المشتركة مع المغرب، خصوصاً في القضايا الرمزية المرتبطة بالهوية والسيادة (سبتة ومليلية، الهجرة). ورغم وجود مصالح استراتيجية تدفع باتجاه التعاون، فإن الخطاب الشعبوي المتشدد قد يجعل هذا التعاون أقل استقراراً وأكثر عرضة للتوترات..