عندما نظر المغاربة الى أمريكا
مبكّرا
“انظروا إلى أمريكا!”، هو ملخص رسالة جوابية، بعث بها الصديق خابيير بالينثويلا كاقتراح جيّد، يقدمه أوربي لمغربي. مع التنويه بدور الأستاذ محمد العربي غجو في خلق هذا النقاش، كونه مترجم رواية طنجرينا إلى العربية فقد فتح أحد الأبواب التي ساهمت في إعادة نظري في وعي المغاربة ما بين الاستعمارين الاسباني والفرنسي.
تأملت النصيحة، وقد خمنت أن جيراننا الاسبان لربما منهم الغرناطيين يكونون قد تأثروا بثقافة القرون الثمانية السابقة التي تختصر الفضيلة بين الأصدقاء في النصيحة، باعتبارها شكلا من أشكال الكلمة الطيبة.
في الحقيقة صديقي خابيير أتقن النصيحة، بحيث تذكرت معلومة من المعلومات المتعلقة بأوربا والتي تبحر بخيالنا نحو أمريكا مباشرة، وفي نفس الوقت توثق إحدى ثوابت السياسة الخارجية للمغرب منذ حسم الأطماع البرتغالية بالانتصار على الضون سيباستيان (1578).
بعد سنوات، اقترحت إليزابيت الأولى ملكة إنجلترا مساعدة عسكرية مغربية ضد اسبانيا لانتزاع سيادة البرتغال من أيدي فيليبي الثاني.
من جانب المغرب، لم يكن في وسعه قبول المقترح الإنجليزي، لأنه تفهَّم فرصة توحيد شبه الجزيرة الايبيرية، ومن جانب ثانٍ لو أن إليزابيت استوعبت توازنات غرب المتوسط، بين المغرب والترك واسبانيا، لما قدمت اقتراحها المحرج.
اعتذر أحمد المنصور الذهبي، واقترح عليها مشروعا بديلا، أتخيله وهو يخاطبها- بصيغة الصديق خابيير-: “لننظر إلى أمريكا!”.
*
هذه المعلومة التاريخية، تفيد صواب الصديق خابيير، وهو يدعو للنظر نحو أمريكا، إنما كان ذلك منذ أربعة قرون مضت.
من خلال السابقة المغربية في النظر نحو أمريكا، نفرز فضيلتين: فضيلة حرص الدولة المغربية على عدم الإساءة للدولة الاسبانية. وفضيلة ثانية هي بدل الاكتفاء بعدم الإساءة لاسبانيا فقد قدّم المغرب لانجلترا-البديل ليس فقط بالنظر، بل الذهاب معا إلى أمريكا ضمن مشروع مشترك هناك.
*
ضمن رواية طنجرينا، يذكر الصديق الصحافي الروائي خابيير، على لسان شخوصه، أن اعتراف المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية جاء صدفة.
لعل الصديق خابيير، من قوة التشابه بين طبع الاسبان وطبع المغاربة، اعتقد أن صدفة اكتشاف كريستوف كولومب الدرّاز بن الدرّاز الجنوي، ومعه الملوك الكاثوليك، قد تجعل الاعتراف المغربي باستقلال الولايات المتحدة صدفة أيضا.
لو يسائل الصديق خابيير فيرديناند كولومب (ابن كريستوف) عن 15 ألف وأربعمائة كتاب التي اشتراها، من بعد وفاة أبيه، سيجد ضمنها عدد الكتب المغربية المترجمة إلى اللاتينية، ولو وقف على الخرائط التي جمعها كريستوف نفسه، سيجد ضمنها خريطة الادريسي، وكتب علم الفلك التي حددت خطوط العرض والطول سيجد ضمنها كتاب “جامع المبادئ والغايات في علم الميقات”…لأبي الحسن علي المراكشي، عبقرية كريستوف جمعت لديه “رُبَّ صدفةٍ…” واجتهاده لجمع المعلومات ورسم الخرائط فيكتشف أمريكا صدفة.
أما السياق وبداية الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فقد جعل في المغرب محمد الثالث وفي اسبانيا كارلوس الثالث. لكن اسبانيا مع أولفاريس من قبل نزلت ما دون أمم أوربية أخرى (فرنسا، السويد…) بينما استنهض المغرب مكوناته، دون أن يستعير عائلة ملكية لا من فرنسا ولا من غيرها. ثم كان المغرب قد رسخ مؤسسة الجيش النظامي خلال القرن 17، بينما خسرت اسبانيا ألمانيا وهولندا.. لأن المغرب من قبل كان قد رسّخ مبدأ “الملوك على مذهب شعوبهم” وفق نصيحة السلطان إسماعيل لملك إنجلترا الذي أراد أن يرجع عقارب التاريخ الى الوراء لتطبيق مبدأ وستفاليا المتأخر (الشعوب على دين ملوكها)، فوجد نفسه لاجئا عند لويس الرابع عشر بعد “الثورة المجيدة”.
كل هذا التراكم المتقدم الذي لا يراه لا الاوربيون، ورث محمد الثالث في سنة 1777، منظومة لجمع معلومات الجغرافيا السياسية، وقد ترسخ لديه منذ جده إسماعيل، أن إنجلترا التي طردها جده (1684) من طنجة ثم جاءت لتستقر في جبل طارق (1704)، فقد أصبحت خطرا على المغرب، فأبرم اتفاقية وثقت علاقة المغرب مع فرنسا، ولأن المغرب لم يستهن بالنصر الإنجليزي على فرنسا خلال ما أسماها تشرشل بأول حرب عالمية (1757- 1763)، اتضح للمغرب أن الخطر الأوربي الأول يتجسد في إنجلترا.
فالمغرب كان يتتبع تحول أوربا من حيث ترتيب الدول مع مرور السنين: فأيقن أن اسبانيا تراجعت إلى الصف الثاني سنة 1648، ثم فرنسا التي عوضتها تراجعت إلى الصف الثاني سنة 1763.
عند المقارنة بين البلدين سنة 1777، كان محمد الثالث طليق اليدين ومستقل القرار، فأصدر قرار فتح موانئ المغرب. بينما كان كارلوس الثالث يجد على طاولته وضعا معقدا، يستحيل عليه الحسم في نفس شهر دجنبر من السنة المذكورة. كان عليه ان ينتظر تقارير السفن الأمريكية مستريحة في الموانئ المغربية ومعها ردود فعل إنجلترا، ليخطو خطوة تجمعه مع موقف المغرب في مارس 1778، عبر سفارة لنفس الغرض. أما فرنسا فمن الطبيعي أن تنتقم لهزيمتها أمام إنجلترا في حرب السنوات السبع المذكورة فتدعم استقلال الولايات المتحدة.
أكتفي بالحديث الشيق مع صديق خابيير بالينثويلا بهذا القدر ونحن معا نراجع النظر إلى أمريكا.


