عندما أُعلن رسمياً عن فوز الملف الثلاثي المغرب–إسبانيا–البرتغال بتنظيم كأس العالم 2030، انطلقت ردود أفعال متباينة بين التفاؤل والاحتفاء من جهة، وبين التشكيك والانتقاد من جهة أخرى. غير أن السؤال الجوهري يبقى: بعيداً عن الخطاب السياسي والاصطفافات، ماذا يمكن أن يربح المغرب فعلياً من هذه المشاركة؟
البنية التحتية، إرث يتجاوز البطولة: التجارب السابقة تُثبت أن استضافة كأس العالم كانت دوماً ذريعة لتسريع مشاريع كبرى في الدول المنظمة. المغرب يحتاج فعلاً إلى تطوير ملاعب بمعايير دولية، تحديث شبكات النقل، توسيع طاقة استيعاب مطاراته، وتعزيز قدرات مدنه السياحية. هذه الاستثمارات، وإن بدت موجهة للحدث، فهي في جوهرها مشاريع سيستفيد منها المواطن والزائر على حد سواء لعقود طويلة.
السياحة: المغرب وجهة سياحية تقليدية للأوروبيين، لكن كأس العالم يجلب جماهير من قارات بعيدة، خصوصاً من أمريكا اللاتينية وآسيا. هذا يفتح الباب أمام أسواق لم تكن مستهدفة بقوة. تجربة إسبانيا 1982،وجنوب إفريقيا 2010 تُظهر أن البطولة يمكن أن ترفع صورة بلد سياحياً حتى بعد سنوات من انتهائها.
الاقتصاد: الحدث العالمي يعني عشرات آلاف الوظائف المؤقتة والمستدامة، من البناء إلى الخدمات، مروراً بالإعلام والتسويق والضيافة. كما أن الشركات المغربية ستكون طرفاً أساسياً في سلسلة العقود المرتبطة بالبنية التحتية واللوجستيك، ونجاح المغرب في التنظيم سيعزز أيضاً ثقة المستثمرين الدوليين في السوق المحلية.
صورة المغرب في العالم: إدارة حدث بهذا الحجم شهادة بأن المغرب بلد قادر على استضافة تظاهرات كبرى، وهو ما يفتح له الباب لتنظيم فعاليات اقتصادية وثقافية ورياضية أخرى. نجاح المغرب في تدبير هذه التظاهرة الدولية أمنيا وعلى مستوى التدبير والتنسيق مع شركاء أوروبيا يفتح آفاق لا تقل أهمية عن الفوائد الاقتصادية ، وهذا الجانب لا يقل وزناً عن العوائد المادية الآنية والمباشرة.
البعد الاجتماعي والثقافي: من الملاعب الحديثة التي ستخدم الأندية الوطنية، إلى ثقافة التنظيم والعمل الجماعي، هناك إرث اجتماعي مهم. الشباب المغربي سيجد نفسه أمام مرافق وبنيات لم يكن ليحلم بها من دون هذا الاستحقاق. كما أن الحضور في قلب حدث كوني يعزز الإحساس الوطني والانتماء.
أحترم تماماً القلق المشروع الذي يعبّر عنه من يرى في تنظيم كأس العالم ترفاً أو هدراً. هذه الأصوات تعكس حساسية حقيقية تجاه أولويات اجتماعية لم تُحسم بعد، مثل الصحة، التعليم، السكن وفرص شغل. لكن في المقابل، لا يمكن اختزال حدث بهذا الحجم في كونه مجرد احتفال كروي عابر. هو استثمار طويل المدى إذا ما أُدير بعقلانية وشفافية، إذ يترك وراءه ملاعب وبنى تحتية حديثة تخدم الأندية الوطنية والشباب، ويعزز ثقافة التنظيم والعمل الجماعي، ويضع المغرب في قلب حدث كوني يُقوي الإحساس بالانتماء ويمنح صورة جديدة للعالم. مثل هذا التقدير والقلق، سبق له أن رافق مشروع القطار فائق السرعة، وأثبت الزمن أن فوائد مد خطوط القطار السريع، ورغم تكلفتها الباهظة كانت إيجابية جدا، بل انطفأت كل الأصوات التي كانت تعتبر بناء المستشفيات والمرافق الاجتماعية أهم وأولى من ترف القطار السريع. لكن هذا لا يعني فقط فرصة وتحدي تنظيم هذه التظاهرة الرياضية الكبرى، بل تدبيرها وربطها بأهداف موازية لها علاقة بمصلحة الوطن والمواطن.
التاريخ يقدّم أمثلة مختلفة ومتباينة، دول خرجت مُثقلة بديون وملاعب بلا جمهور، وأخرى نجحت لأنها ربطت الاستضافة بمشاريع تنموية مُستدامة. هنا يكمن ـ في تقديري ـ جوهر النقاش، ليس في رفض المبدأ بل في ضمان حسن التنفيذ. من يعتبر الكأس ترفاً يقع أحياناً في تبسيط مفرط، إذ يرى كل إنفاق عمومي إما ضرورة أو عبثاً، متجاهلاً أن جودة السياسات والرقابة هي التي تحدد الفارق بين فرصة تضيع أو ورش يبقى.
الرد على هذا التشكيك لا يكون بالاستهزاء، بل بآليات عملية، مثل الشفافية في عرض النفقات، تصاميم مرنة تضمن استدامة الملاعب، عقود واضحة لفتح المرافق أمام الأندية والشباب، وصندوق إرث مستقل يموّل مشاريع تعليمية ورياضية واجتماعية. بهذه الأدوات يُصبح النقد شريكاً في البناء بدل أن يبقى مجرد رفض سلبي.
الترف الحقيقي ليس في السعي إلى تنظيم حدث عالمي قد يُعيد تشكيل البنية التحتية ويمنح الشباب مرافق جديدة، بل في الاكتفاء بالتفرج وانتظار أن تتغير الأمور وأن يتحقق الاكتفاء والرفاه الاجتماعي، وتعميم الخدمات قبل خوض مثل هذا التحدي الذي يساعد ـ في حالة تدبيره بشكل جيد ـ على تحقيق كل هذه المطالب والأهداف أو أغلبها.
المغرب اختار أن يكون في الملعب، وهذه خطوة تستحق النقاش والمحاسبة والاقتراح، لا الاستخفاف أو الإقصاء. النقد حق، لكنه يكتسب قيمته حين يقترن برؤية بديلة وآليات متابعة تجعل من كأس العالم فرصة للتنمية لا عبئاً على الأجيال.
هذا رأيي الذي أتمنى أن لا يُفسد للود قضية.
Comments 1
أشاطرك تماما الرأي. فعلاً التحدي ليس في استضافة كأس العالم 2030 بحد ذاتها، بل في حسن التدبير وربطها بمشاريع تنموية مستدامة. بينما الشفافية وإشراك المجتمع في المتابعة سيجعل من هذا الحدث فرصة وطنية حقيقية، لا مجرد احتفال عابر. تحليل رائع