تذكير= عندما أسقط المغاربة مخطط أمريكا وفرنسا
ونحن معا، نراجع النظر إلى أمريكا، صديقي خابيير بالينثويلا والمترجم العربي غجو وممضي هذا المقال، ليس المغاربة غير سكان هذا الجزء القصي من شمال غرب افريقيا، الذي تراكمت فوق ترابه سلالات لم يصبها التعب وهي ترحل من مكان إلى مكان، سواء في افريقيا (أقدم جمجمة) أو من آسيا، بحيث كتب الجغرافي الفارسي المسلم ابن خردذابه أن الأمازيغ من فلسطين نزحوا إلى إقليم طنجة بعد معركة طالوت وجالوت… وبقايا الفينيقيين والقرطاجيين والرومان ماثلة في آثار العمران. وهي مشتركة مع اسبانيا، من برقة في ليبيا إلى برشلونة (نطق أوربي لنفس برقة)، ومثلما كان الأمير يوغرشن المغربي في روما كان الفيلسوف القرطبي سينيكا أيضا في روما.
==
ولما يصر الفرنسيون اليوم على تعليم أطفالهم الصغار نشيد البطل رولان، فهم يعلمون أن سقوطه قتيلا بسهام أمازيغية وباسكية في معركة رونسفو (778م). رغم اختلاف الديانة فشرلمان الذي نصب ابن أخيه على فرقة المؤونة والعتاد، جاء يحطم أسوار نابارا (الباسك اليوم) ويهدد السلطة الإسلامية هناك، فانتقم هؤلاء للنهديد وانتقم أؤلئك لتحطيم أسوار مدنهم التي تركها المسلمون كما وجدوها.
ومع هزيمة شارلمان ومقتل ابن أخيه رولان، عرف الفرنسيون كيف يجعلون من المعركة الخاسرة ما أصبحوا يسمونه في فكرهم العسكري “الهزيمة المجيدة”. وأما المغاربة فقد بعثوا من خلال تلك المعركة رسالة إلى هارون الرشيد مضمنها أن جرير الشماخ وإن نجح في تسميم ادريس الأول، فالغدر قتل الأمير وبعث مناعة في الدولة المغربية. فالتحالف بين هارون الرشيد وشارلمان كان الهدف منه، التعاون بينهما، للانتقام من خصومهما بالنيابة.
==
أما الارتباط بين اسبانيا والمغرب فقد صار كما القدر، لا راد له.
في السابق، ذكرت في مقال مفصل، كيف جرى لاسبانيا مع المغرب كما جرى للرومان مع اليونان، فمن حيث التأثر المتبادل بين الغالب والمغلوب، لدينا نظريتين: نظرية ابن خلدون ونظرية الغرب كون حضارة المغلوب تسري في مؤسسات الغالب. ومع أن القدر لا راد له، مع ذلك، دوام الحال من المحال. فأثر اسبانيا المتواتر-جغرافيا- في الزمن، جعل مدينة مونبوليي الفرنسية قدم إليها الاسبان المسيحيون عندما كانت الغلبة للمسلمين (ق 10)، ولكن الاسبان المسلمون أيضا جاءوا إلى تطوان (ق 15) وأعادوا بناءها لما أصبحت الغلبة للمسيحيين. ولكن من الزاوية الثانية، اضطر راهب مونبوليي (ق 13)، سك النقود بالحروف العربية لكي يجتذب التجار من مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط. ويعلم اليوم صديقي الإسباني، كيف أن ماكيافيللي وكوبيرنيك ومارتن لوثر وإيراسموس وجان بودان، ما كان في وسعهم التسوق في إيطاليا وليس في جيبهم العملة الاسبانية التي بقيت تحمل اسم المرابيديس (=المرابطي). وسبق أن قدمت الحجة على أن كريستوف كولومب وكذا ثيربانتيس، وقد دفعتهما الظروف لتقديم المشاريع والحساب للدولة الاسبانية، ما كانت العملة غير “المرابطي”. أما العقود التجارية وغير التجارية فبقيت في صقلية – وهي المكتوبة بالعربية، مقبولة لدى المحاكم وقد أصبحت السلطة مسيحية منذ عهد روجر الثاني المضيف للشريف الادريسي.
عندما ذكرت كريستوف كولومب وميغيل ثيربانتيس، فالأمر يتعلق بمشروع الذهاب إلى أمريكا، بميزانية عادلت – في حسابات كولومب- ثلاثة ملايين مرابيديس. ولما هزم المغرب البرتغال (1578)، والتهمته اسبانيا، جاءت فرنسا وانجلترا للسيطرة على جزر الآصور (بلاد كريستيانو رونالدو)، فانتدب فيليبي الثاني ثيربانتيس لجمع المال قصد تمويل الدفاع. ولأن للكنيسة حسابات مع ثيربانتيس، فقد اتهمته محاكم التفتيش بتبذير مليوني مرابيديس.
==
نأتي الآن للعودة من أمريكا. لدينا ثلاث لحظات.
لحظة عودة الجينيرال سيلفستر منهزما في كوبا(1898) للتفتيش عن نصر في الريف (1921). أما النتيجة فيعلمها الجميع.
ولحظة قصف الريف بالغازات السامة (1925 و1926)، ولم يكن القصف من الطيران الاسباني لأن اسبانيا كانت منهكة فلم تشارك في الحرب العالمية الأولى وبقي جيشها ضمن جيوش القرن 19م في أوربا. بل جاء فريق طيارين أمريكيين هم الذين تكفلوا بالمهمة الوحشية وتحت قيادة الجيش الفرنسي. لأن القانون الأمريكي كان يمنعهم من ذلك.
ثم لحظة نفي محمد بن يوسف. حتى في الكتب المدرسية المغربية، لم نعلم في حجرة الدرس، أن الانقلاب على ملك المغرب في صيف 1953 جاء ضمن مخطط الحلف الأطلسي حيث اتفقت فرنسا وأمريكا على أن تنفذ هذه الأخيرة انقلابها في ايران (الأربعاء 19 غشت 1953) لتتبعها فرنسا في يوم الغد (الخميس 20 غشت 1953).
==
وبداية استقلال المغرب، كان الكثير من الدول الإسلامية والعربية مثل فرانكو في اسبانيا، يتقربون من أمريكا، فانخرطت تركيا العلمانية وباكستان الإسلامية، وهما جمهوريتان، في حلف بغداد الرجعي، بينما التحقت المملكة المغربية بحلف باندونغ حيث تيتو وشوان لاي ونهرو الهند. الحلف الذي اعتبرته أمريكا ساعتها معاديا لها.
ما كان هدوء السياسة المغربية حسب المتداول، لينجز مواقف مشرفة في العلاقات الدولية، لو لم تكن الخبرة المغربية في السياسة الخارجية لها جذور عميقة في الزمن.
لننتبه، أنه في سنة 1958، اضطر دوغول تقديم مشروع دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة. يعلم الناس انهزام فرنسا في ديان بيان فو بعد قتال دام 56 يوما (13 مارس- 7 ماي 1954) أمام شعب فقير في الفيتنام. لكنهم لا يعلمون أن شعب المغرب كان خلال نفس الفترة يحشد طاقات المقاومة لينجز ما لم يُنجَز في أية مقاومة في أية مستعمرة فرنسية وهو سقوط القائد العام للجيش الفرنسي الاستعماري في المغرب الجنيرال ريمون دوفال قتيلا رفقة طاقم طائرته في منطقة تادلة الأطلسية.
جرت هذه الكارثة للجيش فوق أرض المغرب. لكن الجينيرال القتيل كان هو من قاد أعمال مجزرة سطيف في 8 ماي 1945 في الجزائر، ولما قرأ الجزائريون خبر موته في المغرب، انضموا ساعتها الى صفوف جبهة التحرير الجزائرية، وكان الحدث المغربي ميلادا شعبيا للثورة الجزائرية، ضمن العدوى الكفاحية التي انتشرت في جنوب الأرض ساعتها.
يمكن استخلاص أن المغرب ساهم في إسقاط الجمهورية الفرنسية الرابعة سنة 1958.