تحت ظلال الذاكرة تتشكل الذات

عزيز زوكار

مدخل:
و أنا أتأمل بعد القراءة المتأنية لكتاب يحكى أني ريشة للشاعرة سعاد بازي المرابط وجدتني أبحث عن ماهية الكتابة و سؤال الذات في دروب القصيدة.. كيف لريشة ترسم أحلامها و جوهر وجودها ؟ كيف لها أن تتجاوز حيرتها داخل رحلة البحث عن كيانها و وجودها ؟
في ظل هذه الأسئلة الحارقة و في ظل هذا التناقض الذي تعيشه الشاعرة تظل ريشتها عنيدة بإصدارها في مواجهة عالم ذكوري أقسى من قسوة الواقع و الطبيعة

قد أستيقظ دون لياقة
تستدرجونني للحلبة
أسقط أولا
و عاشرا
قد أضجر لغتي الملاك / الحور العين
أتوق إلى لغة محشوة بالشتائم
كالقذائف أدافع بها
عندما يشتد وطيس وجهات النظر

التجربة و المرجعية :
إن التمرد الذي يلازم الشاعرة في قصائدها ليس اعتباطا و لكن من نضج مستمدة ذلك من ينابيع الفكر و مرجعيات محشوة بتجارب خبرت عنف واقع يتحول بشكل مضطرد على مستوى القيم و الأحداث المتواترة بجديد صادم ، حيث ترسخت في دواخلها أحاسيس ومشاعر الجرأة نحو الرفض و إن سكنتها نفحات من الرومانسية تبدت في فلتات مؤثرة

لماذا لم أخبر الجبل أني أحببته ؟
لم أخبر السماء كم أعشقها
شمسها/ سحبها
البحر أيضا لا يعلم أني أهاب موجه

هكذا تمارس سعاد بازي المرابط شغب الكتابة ، بجرأة و تصرخ في تصريح تعبيري صرختها المكلومة من واقع الزيف , تخترق عالم الكتابة في محاولة للخروج من رقابة تمارس عليها الحجر و ذات تصالحت مع الرقيب تموقعها في حالة انفصام ، تعيش اليومي في وضعية تغدو فيه الكتابة نشوة و إنطلاق من روح محبوسة تنشد الحرية , يقف الرقيب بينها و بين ذات متلهفة للتعبير عن المسكوت و الممنوع :
لقصائدي حرية الوقوف في الممنوع
دون أن يجرها الديباناج
قد أعود إلى مرحلة الألف باء
كي أحسن الأمر و أعرف لماذا
أربي طيور الشعر
و لا أعرف تواريخ هجرتها ؟؟

تتدفق ريشة سعاد في تجربتها الشعرية بامتزاج حاد جدا لدرجة المشاكسة ، فتجبرك على تجميع الصور المتناثرة المتدفقة ، و تعلو ومضاتها لتنزل بالمتلقي إلى مستويات تعبيرية مختلفة .
الاغتراب و التشظي و الحنين و القلق و الحلم و الهشاشة مما يفسح المجال لبسط الكثير من الحقول الدلالية بوصلات ايقاعية تنعش قصائدها و تؤنس النصوص بحضور ذاتها المتمردة :

طارت الفكرة من رأسي
قبل أن تنضج
من يومها و أنا أبحث عن الباب
عن الرقم
عن الجرس
من يومها و أنا آخذ الأمور على محمل فراغ
كبرت معي اللغة
طالت أغصانها حتى خرجت الفروع من أذني

و في نص دعني تقول :

لن تخبو شعلة الود
حتى لو فضحتني المدامع
أتماثل للجمال
أتراشق بكلمات يانعة
من قلب رجل
أبعث بضحكات جذلى
بذكريات لا تسقط منها أحداث
منزوعة منها أشواك المعاني
كل الأحزان ألفها بورق القصائد

غربة الذات كانت أكثر ما يلون حكي ريشة تحضر بأشكالها ظاهرا و خفيا في امتزاج المتجلي من ذات مأخوذة بالوجود و أسراره المتشعبة داخل بوتقة أسئلة عميقة لا تقنع بالإجابات التي يهضمها الألم كثيرا ، فتبدو في صراع بين الاعتراف بالذات و بيت قسوة النكران و الانكسار و بين التعالي المثالي في كيانها الشاخص المصحوب بالدهشة في مزيج من الشعور بالذات الظاهرة و الاعتراف بالحضور الملموس.

اعتقلني الفراغ مدة في أقبيته
أهال علي التراب
الفراغ تنين رهيب
فاغر الفم جاهز للابتلاع
الفراغ لعين
لولا أن الشعر أخذني بالأحضان
التقطني
هدأ من روعي
منحني العصا التي ترتجف منها الهزائم
فتصبح انتصارا
كلما رماني أحدهم بفخ
في نفس المسار تقول :
و هذا القلب ممغنط
لا يهجع في كل الأماكن
كيف أضع قيدا في معصم فكرة
وهي تهوى التجلي دون عنوان
ترفض إدراجها في نص أو فهرس ؟؟؟

تواصل سعاد مشاكسة هندسة نصوصها على مستوى اللفظ و المعنى تستمد مرجعياتها من تجربة و ذات أنثى حاضرة في الحقيقة و الحلم عبر روح توصلها إلى مبتغياتها في ذروة العاطفة و الحب تشحن نفسها بما لا يقبل الخيار الآخر في ذروة النزيف العاطفي ، و يتسع المدى لأكثر من المباغتات الدلالية المشاكسة :

لقلبي بابان
كلاهما للحب
و نهر شعر مثير للجدل
كالذي بين الشياطين و الملائكة
عندما صليت
انصرف شيطاني دون استئذان
لو كان استأذن لأذنت له
أحواله تحرض على الفوضى
و لي من الفوضى سبايا و غنائم تكفي
لقلبي شمس للتفاؤل
أنظر للمرآة
بضغط زر
أتأكد أن هذه التجاعيد ليست لي
إنها للمرآة
إن غابت الشمس

يحكى أنني ريشة منجز الشاعرة سعاد بازي المرابط يسائل ذاتا قلقة ، تتحرك في إيقاع لا ارتهان فيه ، ذات متشظية تلملم أجزاءها بتعال تشي برغبة دفينة في أن تصوغ بداية لكل انتصار على هذه الذات ليكون فعل الكتابة لدى سعاد محاولة لنقد و نقض عوالمها المتخفية و المتجلية في علاقة مع الآخر بحضوره المستفز و هي بذلك تسعى من وجهة أخرى للترميم و الخلق و التجاوز تقابل المرآة لكي تهدم واقع الذبول و تؤسس لمفهوم الجمال الروحي الذي تؤمن به:

إنها المرآة
إن غابت الشمس
أنبه ذوي القربى لاستعمال المظلة
قبل أن أهطل و أنا محمومة بالانفعال أصيبهم بشظية
قبل أن أرتمي في حوض الشعر
أطفو في مأمن من الحرائق
بون شاسع
بين زمزم و الهجير
بين مساكب الماء
سأبقى بزعانفي
بغلاصمي
لأنني ابنة الماء

خاتمة
هكذا قرأت مشاكسا نصوص الشاعرة سعاد بازي المرابط بعين مفرط في تقصي مقاييس الشكل الفني للنصوص الشعرية في ثنايا معانيها ، لا أطلب غير الادهاش بقدر كاف و سانح لإعادة القراءة و الحفر في طبقات رموز مكشوفة في عناوين النصوص في محاولة لاقتناص الرؤيا الشعرية في نصوص خارجة عن المألوف من لغة زاخرة باللفظ المبهر بالغياب الدلالي للمعنى صارخة في انزياحات ناطقة بالحقيقة .
فتجلت الرؤيا في روح الشاعرة و هي تراقص وجع الكتابة مفعمة بالصخب و السكون في نصوص تشي قلقا بحجم أسئلة الابداع الجاد و تدعو لقنص النص في مأزق لذيذ و ورطة متعمدة كنت ضحيتها في ملامسة وجع ريشة يحكى أنها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist