رغم الجهود التي تبذلها الدولة لتحديث آليات تدبير الصفقات العمومية عبر الرقمنة، ما زالت المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعاني من بطء تسديد مستحقاتها لدى الإدارات العمومية.
وزارة الاقتصاد والمالية أصدرت قراراً يقضي بضرورة أداء مستحقات المقاولات في آجال لا تتجاوز 60 يوماً، مع إطلاق البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية التي تهدف إلى تسريع وتيرة الأداء وتعزيز الشفافية.
غير أن الواقع الميداني يكشف عن إشكالات عملية، إذ أن بعض المسؤولين بالإدارات العمومية يلجؤون إلى تأويلات شكلية وذرائع واهية لتأخير الأداء، ما يضع المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، في وضعية مالية حرجة.
هذه السلوكات لا تؤثر فقط على ثقة الفاعلين الاقتصاديين في المنظومة الإدارية، بل تنعكس سلباً على السيولة المالية للمقاولات التي تُعتبر العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وتشغل نسبة هامة من اليد العاملة.
اليوم، ومع تزايد الرهانات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، يبقى مطلب تفعيل صارم لآليات الرقابة والمحاسبة أمراً ضرورياً لضمان احترام آجال الأداء، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مجرد واجهة شكلية بلا أثر ملموس على أرض الواقع.
وإذا كان بطئ الأداء سبب من الأسباب التي تحول دون تطوير المقاولات، فإن بعضها أصبحت مفلسة أو مهدد بالإفلاس وتترنح بين الأرقام الصادمة وواقع السيولة المختنقة
ليست الأرقام مجرد معطيات جامدة؛ حين نتحدث عن أكثر من 15 ألف مقاولة أفلست في المغرب خلال 2024، فنحن أمام نزيف اقتصادي حقيقي يُهدد النسيج الإنتاجي الوطني، ويطرح علامات استفهام حول فعالية السياسات العمومية في حماية المقاولة، خصوصاً الصغرى والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للتشغيل.
التفصيل القطاعي يكشف أن التجارة استحوذت على ثلث حالات الإفلاس، متبوعة بـ العقار والبناء ثم النقل والصناعة التحويلية. أما جغرافياً، فقد كانت الدار البيضاء الأكثر تضرراً، تليها الرباط وطنجة ومراكش، مع تسجيل العاصمة زيادة تفوق 30٪ في حالات الإفلاس. وإذا أضفنا إلى ذلك توقعات 2025 التي تشير إلى احتمال بلوغ 16,800 حالة إفلاس، فإننا أمام مؤشرات تنذر بمزيد من الهشاشة.
لكن السؤال الجوهري: ما الذي يدفع كل هذه المقاولات إلى السقوط؟
الجواب ليس سراً؛ فالتأخر في الأداء، خاصة من طرف الإدارات العمومية، يُعتبر أحد الأسباب الجوهرية. المقاولات التي تفوز بصفقات عمومية تجد نفسها عاجزة عن استرجاع مستحقاتها في الآجال القانونية، رغم وجود نصوص تُلزم الدولة بالأداء في 60 يوماً. النتيجة: سيولة مجمّدة، ديون متراكمة، وأبواب تُغلق تباعاً.
الأخطر من ذلك أن هذه الإفلاسات لا تقتصر على خسارة شركات، بل تعني فقدان مناصب شغل، وتراجع استثمارات، وتآكل ثقة الفاعلين الاقتصاديين. فكيف يمكن للمغرب أن يجذب استثمارات جديدة أو يدعم تنافسية اقتصاده، إذا كانت مقاولاته القائمة عاجزة عن الصمود أمام بطء الأداء الإداري وتعقيد المساطر؟
اليوم، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالتشخيص أو إطلاق المنصات الرقمية. المطلوب هو تفعيل حقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان احترام صارم للآجال، مع خلق آليات بديلة للتمويل تُخفف الضغط عن المقاولات في انتظار مستحقاتها. وإلا فإن موجة الإفلاسات مرشحة للارتفاع، لتصبح عائقاً أمام أي حديث عن إقلاع اقتصادي أو تنمية مستدامة.