الاحتجاجات السلمية بين مطرقة الشارع وسندان التدخل الأمني
نددت مجموعة من المنظمات الحقوقية والشبابية وبعض الأحزاب السياسية بالتدخل الأمني العنيف لقواة الأمن لفض تجمعات واحتجاجات جيل Z الذي دعا الى التظاهر بشكل سلمي بالمغرب يوم 27 و 28 من الشهر الجاري، وقد عرفت بعض المدن اعتقالات في صفوف المحتجين.
لم يكن المشهد الجديد في شوارع المدن المغربية مفاجئاً. شباب وطلبة يرفعون لافتات بسيطة، يهتفون من أجل مدرسة عمومية ذات جودة ومستشفيات تليق بكرامة المواطن. غير أن ما أثار الانتباه لم يكن حجم المطالب بقدر ما كان طريقة التعامل معها، إذ سارعت قوات الأمن إلى تفريق المظاهرات باستعمال القوة، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات لطالما ظن كثيرون أنها طويت.
الدستور المغربي في فصله 29 ينص بوضوح على الحق في حرية الاجتماع والتظاهر السلمي. ومع ذلك، ما يزال هذا الحق يخضع في كثير من الأحيان لمنطق أمني ضيق، يغلب كفة “هاجس الاستقرار” على كفة “ضمان الحقوق”. التدخل الأخير أخرج للعلن سلسلة من المواقف المنددة: منظمات شبابية، جمعيات حقوقية، وحتى أحزاب سياسية عُرفت بتحفظها، كلها أجمعت على أن ما وقع يبتعد عن روح الدستور ويتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان.
لكن، هل الاحتجاجات مجرد “انفعال شبابي” عابر؟ الأرقام تقول العكس. في قطاع التعليم مثلاً، ما يزال الاكتظاظ يصل إلى 45 تلميذاً في القسم الواحد، ونسبة الهدر المدرسي في بعض المناطق تتجاوز 10% سنوياً. أما في قطاع الصحة، فلا يتعدى الإنفاق العمومي 6% من الناتج الداخلي الخام، أي أقل بكثير من العتبة الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية (10%). هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام تقنية؛ إنها انعكاس لواقع يومي يعيشه المواطن المغربي، واقع من العجز والإحباط، يتحول تدريجياً إلى غضب اجتماعي.
المفارقة أن الشباب الذين خرجوا إلى الشارع ليسوا “مخربين” كما قد يسوّق البعض، بل هم الجيل الذي يُفترض أن يحمل مشروع التنمية. ومع ذلك، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حوالي 28% من الشباب بين 15 و24 سنة خارج دائرة التعليم أو التكوين أو العمل. فكيف نطلب من شباب مهمَّش أن يصمت؟
الاحتجاجات الأخيرة إذن ليست مجرد ضوضاء في الشارع؛ إنها إنذار مبكر بأن الأزمة الاجتماعية تطرق الأبواب. استمرار التعامل الأمني وحده قد يوفر “هدوءاً سطحياً”، لكنه لن يُخفي الاحتقان المتراكم. المطلوب اليوم مقاربة جديدة: حوار صادق، إصلاحات ملموسة، واستثمار فعلي في التعليم والصحة. لأن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالهراوات، بل بالمدارس الجيدة والمستشفيات القادرة.
من يكون جيل Z: وكيف ينسق فيما بين أعضاءه، وهل يوجد بالمغرب منخرطين؟
جيل Z: شباب العالم الرقمي في قلب الاحتجاجات
في السنوات الأخيرة، برز إلى الواجهة جيل جديد من الشباب يُعرف بـ جيل Z، وهو الجيل المولود تقريباً بين منتصف التسعينات وبداية العقد الثاني من الألفية الثالثة. تتراوح أعمار أفراده اليوم بين 15 و30 سنة، ويُنظر إليه كقوة صاعدة تحمل معها ثقافة مختلفة ورؤية جديدة للعالم.
—-جيل وُلد في قلب التكنولوجيا—
ما يميز جيل Z أنه أول جيل تربّى منذ طفولته على إيقاع الهواتف الذكية، الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي. لم يعش صدمة الانتقال من الورقي إلى الرقمي كما حدث مع الأجيال السابقة، بل وُلد وهو يعيش في عالم رقمي متكامل. هذه النشأة جعلته أكثر سرعة في التعامل مع المعلومات، وأكثر انفتاحاً على القضايا الكونية، من تغير المناخ إلى العدالة الاجتماعية.
—– وعي متقد وأسئلة محرجة—–
جيل Z لا يكتفي بالاستهلاك الرقمي، بل يوظف أدواته للتعبير عن آرائه ومواقفه. إنه جيل يطرح أسئلة محرجة حول جودة التعليم، العدالة في توزيع الثروة، الحريات الفردية، وحقوق الإنسان. ومن خلال منصات مثل “تيك توك” و”تويتر”، أصبح صوته يصل إلى مدى أوسع، متجاوزاً الرقابة التقليدية.
—– في قلب الشارع ——-
في المغرب، كما في عديد من الدول، بدأ جيل Z يترجم وعيه الرقمي إلى فعل احتجاجي في الشارع. فمسيرات الطلبة، واعتصامات المعطلين، وحتى الحملات الرقمية ضد الغلاء أو ضعف الخدمات الصحية، يقف خلفها شباب هذا الجيل. ما يميزه عن الأجيال السابقة أنه لا ينتظر قيادة نقابية أو حزبية لتأطيره، بل ينظم نفسه عبر العالم الافتراضي، ويحوّل شبكات التواصل إلى فضاءات للتعبئة.
—– تحديات وصعوبات—–
رغم حيويته ووعيه، يواجه جيل Z تحديات قاسية:
-ارتفاع نسب البطالة بين صفوفه.
-ضعف الثقة في المؤسسات الرسمية.
-شعور بالاغتراب بين الطموح الفردي والواقع الاجتماعي.
—-جيل الغد—–
ورغم كل العراقيل، يُعتبر جيل Z رهان المستقبل. فهو جيل لا يقبل بالجمود، ويملك أدوات رقمية ولغوية تجعله أكثر قدرة على التأثير محلياً وعالمياً. نجاح هذا الجيل في فرض نفسه مرتبط بمدى استعداد الحكومات والمجتمعات للاستماع إليه وإشراكه في صناعة القرار، بدل الاكتفاء بمراقبته أو مواجهته.





