العارفون بكل شيء… الجاهلون بأنفسهم!

إدريس العمراني

العارفون بكل شيء… الجاهلون بأنفسهم!

في زمانٍ غلب فيه القول على العمل، وتقدّم فيه الصخب على الفعل، ظهر قومٌ يتوهمون أنهم أوتوا مفاتيح الحكمة، وأن عقولهم موازين الحق والعدل والحِكمة. يجلسون على المقاعد في المقاهي كأنهم على منابر الخطابة، ويتحدثون في كل شأنٍ من شؤون الدنيا كأنهم أرباب التجارب وصُنّاع القرارات الصائبة.
يتكلمون في السياسة وهم لم يخطوا فيها خطوة، ويفتون في الدين وهم لم يتفقهوا فيه لحظة، ويقترحون مشاريع اقتصادية لم يديروا في حياتهم دكاناً صغيراً، وينتقدون المدربين والحكام كأنهم حملوا يوماً لواء البطولة أو عرفوا مرارة الهزيمة.
في بيوتهم، أسودٌ على أبنائهم، وفي المقاهي فقهاءُ في النقد والاعتراض، وعلى الشاشات حُكماءُ الزمان وأرباب البيان. غير أن سجلّهم خاوٍ من الإنجاز، وأثرهم في الحياة كظلٍّ يزول مع أول خيطٍ من ضوء الحقيقة.
لقد جعلوا من اللسان سلاحاً، ومن الجدل صناعة، ومن الادعاء وسيلةً للظهور. لا يتورعون عن إصدار الأحكام، ولا يترددون في محاكمة النوايا. ظنّوا أن الصراخ دليل يقين، وأن كثرة الحديث تغني عن عمق التفكير، فكانوا كما قال الحكيم: «أكثر الناس كلاماً، أقلهم عملاً.»
إن أخطر ما أصاب مجتمعاتنا اليوم، أن صار بعض الناس يعبدون الرأي، ويقدّسون الصوت العالي، وينسون أن الكلمة إذا لم تصحبها تجربة، فهي كالغيم بلا مطر، والضوء بلا أثر.
فيا من ملأتم الدنيا ضجيجاً، راجعوا أنفسكم قبل أن تُصلحوا غيركم، وتفكروا في عيوبكم قبل أن تُعدّدوا عيوب الناس. فالعاقل من عرف قدر نفسه، والجاهل من ظنّ أن الدنيا لا تستقيم إلا برأيه وحده.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist