تجربة الحب الأول

عبد الله المتقي

يعتقد البعض أن الحب الأول يظل ويبقى موشوما في ذاكرة القلب والوجدان ، كما أنه لن يتكرر ، ويعتقد آخرون أنه لن يكون ولم يكن غير وهم ، وغالبا ما تتسم هذه التجربة من أنه لم يكن أكثر من قرارات انفعالية ، وفي هذا الملف الذي شارك فيه لمة من المبدعين والمبدعات حول الحب الأول ، وما اختزنته ذواكرهم من هذه التجربة :

سناء الشعلان
أديبة الأردنية

“الحبّ الحقيقيّ فهو الحبّ الأخير”

الحبّ الأوّل بحكم قلبي ومن مطلق تجربتي الخاصّة هو الحبّ الأخير؛فليس منطق الحبّ الأوّل خاضع لفكرة الزّمن كما يعتقد بعض السّاذجين،بل هو منطلق من شرط النّضوج والاكتمال وملازمة النّفس والاستقرار في القلب، فذاك الحبّ الذي يرحل بحضور غيره،ويظلّ مجرّد ذكرى واهيّة نوثّقها في ألبوم صور أو نخزنها في ركام الذّاكرة،هو ليس حبّ،بل هو مجرّد مشاعر صبيانيّة، وتدرّب فطري على رياضة العشق والمشاعر،وهو بروفة غير ناجحة لمسرحيّة الحبّ في الحياة.
أمّا الحبّ الحقيقيّ فهو الحبّ الأخير الذي يستقرّ في النّفس، ويتكاثر فيها،ويصبح ميزان الهوى،وطاقة البناء والخير والنّماء في النّفس.الحبّ الأوّل،أعني الأخير،هو ذلك الحبّ الذي يقدر على أن ينزع النّفس من ذاتها،ويهبط بها في نفس أخرى،تسمّى حبيبها.
الكثير من النّاس يعتقدون أنّ العشّاق الكبار المشهورين هم عشّاق الحبّ الأوّل،ويعتقدون أنّهم قد عاشوا على ذكرى هذا الحبّ حتى آخر لحظة في حيواتهم،ولكن الحقيقة التي يدركها أيّ باحث جاد أنّ هؤلاء العشّاق نقلوا لنا ذكرى الحبّ الأخير،وكانوا أسيرين هذا الحبّ حتى آخر لحظة من حيواتهم،وهم قد ضربوا لنا صفحاً عن مشاعرهم الأولى؛لأنّها باتت متطايرة مع الهواء،ولا قيمة لها في أنفسهم.
وفي السّياق نفسه لا يكون الحبّ الحقيق إلاّ عندما يكون حيّاً في نفس الآخر بقدر حياته في الذّات،لأنّ الحبّ الذي مات في قلب،ولا يزال ينبض في قلب آخر هو ليس أكثر من جنين ميّت،يدرك البعض أنّه مات،والآخرون يحتاجون إلى المزيد من الوقت كي يكتشفوا أنّه قد مات وولّي كأنّه لم يكن.
سناء العاشقة تعترف بذلك الحبّ الأخير في حياتها،والذي عاش فيه منذ سنوات،وأخال أنّه سيظلّ فيها حتى آخر لحظة،هذا الحبّ هو الذي دفع نفسي نحو الإبداع،وجعلني أؤمن بأنّ الحياة تصبح ذات قيمة إن عشقنا،إما بخلاف ذلك فهي رحلة دون جدوى أو إنتاج أو معنى.لولا هذا الرّجل في حياتي لاختفى البريق من روحي ووجهي،ولماتت نظرة التحدّي في عيني،ولرحل عن نفسي الإبداع والإصرار على الحياة،ولفقدت الرّغبة الجامحة على العمل والتّضحية والمحبّة.
عندما قابلتُ هذا الرّجل الذي اختارته الأقدار لي انتحرت أيّ ذكرى تسبقه،لا أكاد أذكر مراهقة أو مشاعر أو تاريخ قبله،هو وحده من بدأت تواريخي به،بل هو تاريخي الأوحد،به ومنه تعلّمت كيف يكون الإنسان صاحب إصرار ومحبّة،وما هي طرق النّجاح الوحيدة عبر العمل والنّشاط والإخلاص الدّؤوب،تعلّمت منه الإيمان الحقيقي بالله وبعدله وبالإنسان وبضعفه وبحقّه الطّبيعيّ في الحياة،هذا الرّجل علّمني أنّ الرجل الحقيقي هو الذي يملك قلباً كبيراً معطاء يحبّ النّاس أجمعين،ويعمل لإسعادهم،ويتغاضى عن صغائرهم،ويغفر زّلاتهم وأخطاءهم معه.
الرّجل الذي عشقته أو حبّي الأوّل والأخير هو خياري القدري الذي اختاره الرّب لي،ولكنّني الآن مقتنعة أنّني لو اطّلعتُ على الأقدار جميعها لاخترته هو بعينه ليكون قدري الأجمل.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist