تجربة الحب الأول (2)
عادل سعد يوسف
“كأنَّي أحدثُ عنكِ.. ما يُشْبه سيرة صغيرة”
كان يحدث نفسه بها ” عليكَ أنْ تصمدَ أمام نرجسةٍ بتولٍ، أنْ ترتجلَ بعضَ الأغنياتِ، و تلمحَ اسمك في نهرٍ عينيها لتكونَ عاشقَها الوحيد. أنْ تنحتَ اسمها على صخر الحكايا، وجذوع أشجار الميادين العامة، أن تقضي على نهار كامل تحت عمود الإنارةِ عند ناصية مسكنها، لمجرد أن تجني مصادفةً تمنحُك رعشة القلب التي ترسمُ خارطة جديدة وطازجة لعالم من الأحلام وملئ بالعصافير ، كأنك روح تبحث عن عروجٍ سرمدي. هي تجربتك الأولى ، مواعيد طقوس التحول واكتشاف الذات النائية ، اتحادك بجغرافيا الوجود ، وانهمارك في الشغف.لتدرك شرطك الإنساني هي تجربتك الأولى، انجيلُ تعرُّفكَ على أنثى تحتشد بأسرار الطبيعة كلها، تغيب في متن حضورها الأنثوي.وتتشكلُ هويتك العاطفية في بؤرتها، وبها يبدأ نشيدُك الكوني. هي تجربتك الأولى: خطاباتك الغرامية التي حبرتها في ليلةٍ كاملة، ثم رشمتها بعطر أنفاسك، ورسمت عليها قلب كيوبيد نازفاً تغافل الشوارع في الطريق المدرسي لتلتقيها تقف برهة.. يئن منك القلب المتعلق بعينيها وتتكسر أصابعك شظايا في صوتها،وتندفع بجرأة في تفاصيلها. تتلمسها مساماً مساماً، ثم تدسَّ في كتابها الصغير وردة حمراء وتمضي مرتجفاً. هي تجربتك الأولى: تمضي بك بعيداً في متاهاتها، تقودك كموجة في بحيرة سحرها طاعن الغواية بها. كفاكهة تشعل رغبتك بالخلود وكأنَّ غابة استوائية بكامل أمطارِها تحت قميصك”. هكذا في القصي من القلب ترقد حكايةٌ لمراهق يتعرف على خطوته في الملامسة، في ارباك الأبجديات الحياتية، بجنون يزاحم العشاقَ في المدينة و يحرِّض الحدائق العامة لتهدي سكونها المسائي لحبيبته الواحدة. ستظل تجربة الحب الأولى للمبدع مهما كان شكل التعاطي معها تمتلك تميزاً مختلفاً ولن تكون محض تجربة فقط ، بل ستبصح حالة مركزية تلقي بظلالها وإن بدرجات مختلفة على تجارب قادمة، ستظل ملتحمة بسداة النصوص، تمارس حضوراً منسرباً وضاجاً بتخفٍ مراوغ. ويظل المبدع في احتياج دائم لهذه الحالة والتي يختبر فيها وجوده الإنساني القلق وأسئلته المطلقة التي لا تنتهي في سبر أغوار الذات والكون، إنها متون أنطولوجياته الخاصة، المكونات الأولية المنتجة لإبداعه. إنها البكارة واحتشادها الرومانسي. مازلت أسأل ما الذي يميز هذه التجربة الأولى لدى الكثيرين لهذه الدرجة وقد تمضي سوات منذ ارتجافتهم الأولى، وشسوع المسافات ومنصات الغياب إثر فتورها أو انتهائها؟ على صعيد التجربة خاصتي أدرك الآن أننا لم نكن ناضجين بصورة كافية لنقترح مشاوير تضرب في أودية الحياة ومسالكها المتعرجة، لنضجَّ بحكمة تؤهلنا على القبض بجذوتها المشتعلة. وأدرك أيضاً أن التجربة الإنسانية الواهجة بتراكم خبراتي المختلفة والمتعددة تمكنتني من أن أقترح عدداً ثانياً وثالثاً من الحبيبات وأن أختبر وجوداً أكبر يشع بهذه الطاقة الكونية أكثر رحابة واتساعاً، وأنَّ ثيمة الأنثى أكتسب تأويلاً مستمراً في المدونات الشعرية القادمة. وأدرك الآن كما قال باسكال:«للقلب أسبابه التي لا يستطيع العقل أن يعرفها«. *
يتبع…