منذ سنة 1994 والعلاقات المغربية الجزائرية تُراوح مكانها بين التوتر والقطيعة، كأن البلدين محكومان بلعنة الجغرافيا والتاريخ معاً. فكلما لاح أمل في المصالحة، عاد شبح الخلاف ليُفسد كل محاولة، وكأنّ الجارين اختارا أن يعيشا في خصامٍ دائم لا رابح فيه ولا مهزوم.
القضية التي أشعلت فتيل هذا التوتر لا تزال هي نفسها: الصحراء المغربية، التي جعلت الجزائر منها عنواناً لدعمها لجبهة البوليساريو، في حين يرى المغرب أن ذلك تدخلٌ مباشر في شؤونه الداخلية ومسٌّ بسيادته الوطنية. ومن هناك بدأت الحكاية، وتفرعت عنها ملفات أخرى تركت ندوباً غائرة في الذاكرة المشتركة: حرب الرمال سنة 1963، طرد آلاف المغاربة المقيمين بالجزائر سنة 1975، ثم حادثة الهجوم على فندق أطلس آسني بمراكش سنة 1994 التي فجّرت قرار إغلاق الحدود البرية بين البلدين.
واليوم، بعدما تغيّر العالم وتبدّلت موازين القوى، ما زال الخلاف قائماً، بل ازداد حدّة بفضل “الذباب الإلكتروني” الذي جعل من السوشيال ميديا ساحة حربٍ افتراضية، تُستعمل فيها الكلمات بدل الرصاص، ويُسفك فيها الحياء باسم الوطنية الزائفة. فكل طرف يرى في نفسه “المحب لوطنه” وفي الآخر “العدو الذي يجب تحطيمه”، بينما الحقيقة أن الشعوب لا تريد سوى الكرامة والخبز والطمأنينة.
الولايات المتحدة الأمريكية دخلت هذه المرة على الخط عبر رئيسها، الذي تشير المصادر إلى أنه حدّد مهلة من ستين يوماً لتقريب وجهات النظر بين الرباط والجزائر. خطوةٌ تبدو طموحة، لكنها تطرح سؤالاً عميقاً:
هل يمكن للمصالحة أن تنجح إذا ظلّ الإعلاميون والمحللون في البلدين يؤججون نار الخلاف؟
وماذا سيقول غداً منار السليمي وسعيد بنسديرة ومن معهما وقد بنى كلٌّ منهما شهرته على تغذية الصراع وتبادل الاتهامات؟ هل سيجدان نفسيهما فجأة في فراغٍ فكري بعد أن يسود السلام؟
لقد آن الأوان لنتوقف عن هذا العناد المزمن. فالمغرب والجزائر يشتركان في أكثر مما يفرقهما: اللغة، الدين، التاريخ، المصير، والأمل في غدٍ مغاربي موحد.
إنها ليست معركة وطن ضد وطن، بل معركة وعيٍ ضد وهم، وحكمةٍ ضد انفعال.
وإن كانت هناك فرصة أخيرة لكتابة صفحة جديدة، فليكن فيها العقل هو من يكتب، لا الحقد.