في زمنٍ كانت فيه الأحزاب السياسية مدارس للتجديد والتناوب، أصبح المشهد اليوم أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”الموت السياسي البطيء”، حيث تتكلس القيادات وتشيخ المؤسسات، ويُوأد الأمل في التغيير قبل أن يرى النور.
ما حدث داخل المؤتمر الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس مجرد تمديد لولاية إدريس لشكر للمرة الرابعة، بل هو إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها استمرار الزعيم وغياب الخلف. فالحزب الذي أنجب قامات فكرية ونضالية من طينة عبد الرحيم بوعبيد، المهدي بن بركة، وعبد الله إبراهيم، لم يعد اليوم قادراً على إفراز زعامة شابة تحمل مشروعاً جديداً، بل أعاد إنتاج نفس القيادة التي ترفض مغادرة الكرسي حتى وإن مات حولها الحماس والتنظيم.
الزعيم الذي يمدد لنفسه ولاية تلو أخرى، يُشبه في المعنى الرمزي الجدّ الذي يقتل ابنه وحَفِيده، خوفًا من أن يرث أحدهم زعامته. فهو يغلق الباب أمام الشباب، ويمنع الدماء الجديدة من الجريان في شرايين الحزب، مفضلاً البقاء في موقع القيادة على حساب مبدأ التداول والديمقراطية الداخلية.
هذا السلوك، وإن جرى تبريره قانونياً، يكشف عن أزمة ثقافة سياسية عميقة داخل الأحزاب المغربية، التي لم تستوعب بعد أن الزعامة ليست ملكية خاصة، وأن التداول على القيادة ليس ضعفاً بل علامة حياة. فعندما يخلد الزعيم إلى كرسيه، يتحول الحزب إلى كيان متحجر، وتتحول الشعارات إلى أناشيد بلا روح.
القيادة الهرمة أصبحت اليوم عبئاً على المناضلين والمناضلات في حزب الوردة، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ذاكرة نضالية مجيدة وواقع تنظيمي عقيم. فالحزب الذي كان يوماً رمز المعارضة الديمقراطية والاختلاف الرفيع، أصبح يعيش انغلاقاً سياسياً يُفرغ تاريخه من معناه.
وما يحدث في الاتحاد الاشتراكي ليس استثناءً، بل هو نموذج مصغّر لأزمة أوسع يعيشها المشهد الحزبي المغربي. حزب الاستقلال، رغم تجربته الطويلة، ما زال بدوره يتأرجح بين المحافظة والتجديد، في حين يواجه حزب العدالة والتنمية أزمة هوية بعد سقوطه السياسي المدوي، وفقدان ثقة جزء كبير من قواعده الشبابية. حتى الأحزاب الإدارية التي وُلدت من رحم السلطة، لم تستطع تقديم نموذج بديل مقنع، بل استنسخت نفس أعطاب الزعامة الأبدية.
إنها مفارقة السياسة في المغرب: أحزابٌ ترفع شعار الديمقراطية وهي تمارس عكسها، وزعماء يخشون مغادرة المنصة لأنهم يربطون وجود الحزب بوجودهم الشخصي. وهكذا، يُقتل الابن وحَفِيده في المعنى الرمزي، وتُدفن معهما فكرة التناوب التي كانت يوماً روح الحياة الحزبية.
إنه الموت السياسي في أبهى تجلياته: حين يفضّل الجدّ الخلود على المستقبل.