الإصلاح الديمقراطي وموازين القوة
لم يعد العنف واردا في أجندة الفعل السياسي المغربي من أجل التغيير الديمقراطي. كل ما يُتسلح به وعيٌ وإرادةٌ في الإصلاح بطرق سلمية، من تعبيرات بكل أصنافها، أو مقاطعة أو تظاهر في الشارع، وفي أقصى الحالات، عصيان مدني. ولا يتأتى كل شكل من هذه الاشكال، متفرقة أو مجتمعة، إلا إذا توفرت شروطها، واتقدت شعلتها. يمكن القول إن للمغرب رصيد احتجاجي مبتكر جدير بالاهتمام، لا نزال حتى الان غير قادرين على رسملته وتحويله إلى إصلاحات ديمقراطية مستدامة. فكلما أطلِقت دينامية احتجاجية، لا يعدو ما نقوم به التنديدَ والتضامنَ، لنعود إلى نقطة الصفر مضيعين الفرص تلو الأخرى.
ولكن من أكبر عوائق تقدمنا في بناء قوة ضاغطة من أجل الإصلاح الديمقراطي، أننا لا نزال لم نتوافق على مضمونه على الأقل وسط من يؤمنون فعلا به. فمن يختزله في صناديق الاقتراع، ومن يحصره في الإصلاح السياسي فقط، وقليل من الفاعلين من يأخذوه في شموليته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويجعلون من دمقرطة الدولة والمجتمع كل لا يتجزأ. ولا يبدو في الأفق المنظور إمكانية التوافق حول مضمونه، ولا إمكانية الفعل المشترك بين هذه القوى وإن تعددت الحراكات أواشتدت. وهذا لعمري لا يخدم إلا أعداء الإصلاح.
في غياب قوة يسارية حقيقية في الساحة قادرة على التأثير واستنهاض الدينامية الشعبية، لا يبقى أمامنا، من أجل فرض فتح النقاش العمومي الشامل والجذري، إلا هذه الحركات الاحتجاجية الشاملة التي لا تظهر إلا بعد مرور وقت لا يقل عن العشر سنوات، اختصارا لما عرفته تجربتنا المغربية. لكن تبقى جودة استثمارها للتقدم في الإصلاحات، موكولةً للقوى الحية الموجودة بالتأكيد في مختلف المجالات، وليس لمن يخرج إلى الشارع. وهو ما لم نقم به في 2011، ولا يبدو أننا جاهزين للفعل الإصلاحي فيما توفره حركة “جيل زد”.
هل استنفدنا الإمكان الدستوري؟
في ظل التقاطب الأيديولوجي السائد اليوم، يبدو أننا لا نزال لم نستنفد بعد كل الإمكان الذي يحبل به الدستور الحالي بالنسبة لإرساء دعائم دولة حديثة دمقراطية يسودها الحق والقانون التي تتصدر الدستور في فقرته الأولى، وتعدد مشارب الهوية التي يتبوأ فيها الدين الإسلامي مكانة الصدارة، في الفقرة الثانية، ومكافحة جميع أشكال التمييز في فقرته الرابعة. هذا النفس التقدمي للدستور سيتم تعطيله في فصول أخرى. من المستفيد من هذا التعطيل؟ الحقيقة الواحدة الموجودة هي أن الوطن هو الخاسر الأول.
صحيح أن الدستور يعكس داء التقاطب الإيديولوجي الذي يعيق تفعيل مضامين التصدير الإيجابية، غير أن هذا الاحتباس سوف لن يحله إصلاح جديد للدستور لأن السياق الذي أنتجه لا يزال قائما، ولا نشعر أن هناك مجهودا قائما لتجاوز معيقات بناء تعاقد اجتماعي جديد، أو على الأقل لم تنضج ظروفه بعد. ولذلك، ما يطرح اليوم وبحدة هو التعاقد الشعبي أولا، بمعنى التعاقد بين القوى المجتمعية الحية حول القضايا الجوهرية للبلاد. أساسا حول طبيعة النظام السياسي للدولة، والمجتمع الذي نطمح إليه، وعلى الخصوص، بإخراج إشكاليات المساواة بين الجنسين من الاحتقان الأيديولوجي والارتقاء بما يختزنه الإمكان الحضاري لتجربتنا التاريخية. هاتان مسألتان أساسيتان، إذا تعاقدت فيهما هذه القوى، سوف يصبح الإصلاح الحقيقي وإعادة التوازن للسلط مع استقلاليتها، أمرا ممكنا وقابلا للتفعيل. وبهذا المعنى نحن، المؤسسات المدنية بمعناها الشامل، نتحمل مسؤولية كبرى فيما يحدث ببلادنا من جميع أشكال الشطط في استعمال السلطة لأغراض متعددة ذاتية ومؤسسية. وإلى حين ذلك، هناك إمكان مهم علينا تفعيله وفي خضمه فتح النقاش بين القوى من أجل ما سميته بالتعاقد الشعبي.
علينا أن نعترف بعدم جهوزية الفعل السياسي التغييري القادر على تحويل الاحتجاجات إلى فعل سياسي قابل للإنجاز وتحقيق ما يطلبه الناس من حقوق مشروعة. علينا أيضا معرفة المقاومات للإصلاح وتقدير حجمها. علينا أيضا طرح سؤال استقلالية الدولة في قرارتها الوطنية الداخلية والخارجية، ووضعه في حجمه الحقيقي لقطع الطريق على سياسة التخويف وثقافة الخوف، حماية للمواطن والدولة معا لأن هذه الأخيرة لا تكون آمنة إلا بمواطنيها الذين يطالبون اليوم بالاستثمار فيهم أولا.
الملكية البرلمانية، مدخل للديمقراطية أم أفق لها؟
من دون أدنى شك أن السياسة كما تمارس اليوم مسلوبة المعنى الديمقراطي. وقد أصبحت فئات واسعة من الشعب على وعي بأن الانتخابات مجرد عملية شكلية بدون مضمون ديمقراطي، فإن كانت تُؤَمِّن تجديد النخب بالنسبة للدولة، فإنها لا تعبر عن صوت الشعب ولا تمثله. فهل دعوة الشباب للانخراط فيها بشكل مستقل سوف يكون نافعا على المستوى الشعبي، ويعوض أزمة الحزب؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون الطلقة الرحيمة لمكون أساسي للديمقراطية المتعارف عليها حتى اليوم، ألا وهو المكون الحزبي؟
ليس لنا حزبا ممن يمكنه إذا ترأس الحكومة أن يفعِّل صلاحيته في اقتراح مشروع قانون عفو شامل على مجلس الوزراء (الفصل 49 من الدستور)، على سبيل المثال، وغيرها من الصلاحيات الأخرى التي يتقاسمها مع الملك. وليس لنا برلمان قادر على الخوض في قرارات المجلس الوزاري، ولا في ميزانية القصر أثناء مناقشة قوانين المالية، وتتصدر تقارير المؤسسات الدستورية كلها بدون استثناء الخطب الملكية قبل النصوص الدستورية جاعلة بذلك المرجع الملكي فوق المرجع الدستوري الذي من المفروض أن هذه الوثيقة هي التي تؤطره، والأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى من الممارسات التي يمكن تجنبها في إطار الدستور الحالي.
لذلك يبقى مشروعاً طرحُ سؤال هل الملكية البرلمانية حل للاحتباس الديمقراطي الذي نعيش؟ من المؤكد أنها ليست، والحالة هذه، حلا سحريا، بل بوابة ترشيد السياسة الديمقراطية ببلادنا وإعطاء معنى للمشاركة الشعبية فيها والقطع مع العبثية وتسفيه صوت الشعب. ولكن الملكية البرلمانية بالنسبة لتجربتنا، في غياب تنظيم اليقظة الشعبية، سوف لن تفيد إلا تجار السياسة. وبالمناسبة، فإن الملكية الدستورية التي تعيشها بلادنا في أدنى مستوياتها دستوريا، أي ملكية تنفيذية هجينة بين المطلقة والدستورية في ظل ضعف النخب الوطنية المستقلة، لم تمنع الأليغارشية الحاكمة من استغلال نفوذها في تعزيز أعمالها، ولم تسائل الحكومة وبرلمانها عن عدم التقصي فيما طرح من قضايا تضارب المصالح، والاغتناء الفاحش … الخ.
إن النظام السياسي كما يمارس اليوم على ارض الواقع، لم يعد مقبولا من طرف فئات واسعة من الرأي العام، بل أصبح مستهجنا، على الدولة الانتباه إليه والقيام بجعله ينسجم مع مقتضيات الدستور، لأن في ذلك خطورة على الاستقرار والتقدم. فهذا التقابل المتعارض بين أوراش ملكية مهيكلة ناجحة، وعمل حكومي متعثر، وجهاز تشريعي عاجز، يشكل أكبر خطر على الديمقراطية، وعلى مستقبل المغرب. فهل الملكية البرلمانية، والحالة هذه، مدخل للديمقراطية أم أفق لها؟
المجالس الدستورية، مافائدتها؟
قبل الخوض في أهمية هذه المؤسسات (الحكامة، الديمقراطية التشاركية، حقوق الإنسان)، لا بد من التذكير بأنها كانت أولا مطالب يسارية ونسائية، استُجيب للبعض منها بشكل متأخر، ولازالت أخرى لم تعرف حظها في التنزيل؛ ولابد كذلك من التنبيه إلى فضائل فتح قنوات النقاش العمومي والحوارات الوطنية على حث الذكاء الجماعي، وبناء الوعي المدني السلمي وأشكال فعله النضالي. وفي هذا الصدد، علينا الاعتراف بأن انفتاح الدولة على فئات واسعة من المواطنات والمواطنين، مع حكم الملك محمد السادس، غير مسبوق. فقد تعدد محطات المشاورات، من العدالة الانتقالية، وتقرير الخمسينية، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، والنموذج التنموي الجديد، ومنهجية إصلاح المدونة، ومنهجية إعداد مسودة الدستور 2011…هي مناسبات عديدة فتح فيها النقاش العمومي، وإن كان في ذلك ما يقال علاقة بالتحكم في وتيرته وتوسعه وتفعيل مخرجاته… الخ.
ولكن لماذا رغم هذا الانفتاح لم نستطع أن نقدم خدمة عمومية لائقة للمواطن والمواطنة؟ ولماذا لم نستطع الوقوف على سكة الديمقراطية بفصل السلط ونفاذ القانون وإعلاء الحق؟ هل لأن عمليات المشاورات تكون فوقية؟ أم انها لا تمس الفئات الشعبية الواسعة؟ أم أن النخبة لا تلعب أدوارها المتمثلة في النزاهة الفكرية والجرأة في النقد والبناء. فإذا كان للدولة اليد العليا في كل الحوارات الوطنية التي اقتضتها الظروف السياسية، فإن ذلك غالبا ما تم بمباركة ضمنية أو واضحة للنخب.
ما فائدة المجالس الدستورية؟ سؤال استنكاري تجده يتردد في بعض الخطابات التي تذهب أحيانا إلى حد اعتبارها مجرد ريع تشترى به النخب. ولكن هذه الأطروحة غالبا ما لا تقف بما يكفي على طبيعة وحجم وأهمية العمل الذي تقوم به هذه المجالس، في تتبع السياسات العمومية، ومدى احترام القوانين التي ننتج، وتوفر المعطيات التي يصعب على القوى المدنية الحصول عليها. بل إن تقاريرها تشكل في معظم الأحيان ركائز يُتسلَّح بها في مرافعات مناهضة للفساد وغيره. يسمى هذا الصنف في التجارب الديمقراطية بالمجتمع المدني المنظم الذي يتمتع بصلاحيات دستورية تجعل كلمته مسموعة إن لم تكن نافذة حسب درجة الديمقراطية المعمول بها. فما أنتجه على سبيل المثال كل من مجلس المنافسة ومجلس محاربة الفساد والمجلس الاقتصادي، وغيرها من المجالس الأخرى، من التقارير يمكن أن تشكل قاعدة بناء وعي سياسي مدني إذا ما عرفنا كيف نرصده.
ليس أمامنا خيارات كثيرة، فإما القطيعة العدمية ذات الأفق المسدود، أو الإصلاح المستند على الإيجابي في تجربتنا. يتناغم سيناريو القطيعة مع خطاب ثوري رافض لا يرى أي أفق لما نحن عليه إلا القطيعة مع كل ما يأتي من جهة الدولة، بما فيها الإيجابي الذي لا ينعكس على حياة الناس اليومية من حيث الفوارق في التعليم والصحة ومستوى العيش التي تتفاقم بشكل مستمر. نعم الفوارق تتزايد بين شرائح واسعة من الفقر والهشاشة، وبين من يزيدون اغتناء بشكل لاأخلاقي لأنهم يثخنون أكياسهم في لحظات عصيبة على الناس بدون رحمة ولا مراقبة ويستفزون ذكاء الشعب بتبرجهم الذي تفضحه الوسائل الرقمية على نطاق واسع جدا.
غير أن هذه المؤسسات التي نلعن، ونعتبرها فقط تستقطب الأصوات والنخب، من دون جدوى وتشجع على ثقافة الريع، الم نتساءل من هي هذه النخب، وكم عددها، وما هي الأدوار التي تلعبها في هذه المؤسسات، وما هي آثارها فيما تنتجه من آراء وتقارير…الخ.
وفي مطلق الأحوال، لا يجد المنتقدون لها بدا من الرجوع إلى تقاريرها، وإن لم تفعل إلا هذا، فهي مهمة وضرورية. وعلى كل حال، فهذه المؤسسات كانت تشكل مطلبا ديمقراطيا ولم تكن هبة، ويبدو أن الدولة لم تعد مكترثة كثيرا بها، ولربما أصبحت تزعجها أكثر. نأخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يشارف 15 سنة من عمره، وتغيرت رئاسته أربع مرات خلالها، وانسحب العديد من عضواته وأعضائه إما بيولوجيا بالموت، أو لأسباب أخرى. الرفض المطلق سهل ومدمر، والترصيد على المنجز دائما عملية معقدة وصعبة وبناء ثقافة المؤسسات اليقظة مطلوب جدا.
حركة جيل زد … إنهم يحاولون إعطاء معنى للسياسة
ما أن خرجت الحركة للعلن حتى بدأ الضغط عليها من جميع الأطراف، حكومية وحزبية وفعاليات مدنية. فمن يدعوها للحوار كأنها تتوفر على برامج مضبوطة، ومن يدعوها للانخراط في الأحزاب أو أن تؤسس حزبا لها كأنها تشكل كلا منسجما، ومن ينتظر ديمومة عنفوانها حتى تقوم بما عجزنا عن فعله. لعمري، هذه الدعوات مجتمعة غير مناسبة، وتُشم منها رائحة صراع خفي، كأنما يقال للشباب: “إِوا، وَرِّيوْنا حنة ايديكم”. فمتى كانت انتفاضات الشارع تعطي برامج وتتحاور؟ ألا تعكس هذه الدعوات كلها الأزمةَ التي وصلتها النخبة المغربية؟ فعوض هذه الدعوات غير المجدية، بالأحرى العمل على رسملة اللحظة لإثراء النقاش العمومي من لدن الفاعلين المدنيين، وعلى الخصوص، الحزبيين من أجل تقديم البدائل القمينة بإعطاء أجوبة لمطالبهم، وتبني مطالبهم وتضمينها ضمن برامجهم والوعد الصادق بتفعيلها إذا ما وصلوا للسلطة الحكومية، كما يتعهدوا لهم في حالة إذا ما وجدوا عراقيل لترجمتها إلى سياسات عمومية، ان يعلنوا استقالتهم، وما إلى ذلك.
ألا يستحسن أن يبقى هذا الجيل اليوم خارج العمل السياسي المباشر، على الأقل في الزمن المنظور، ليلعب دور اليقظة من خلال أشكال عمل هجينة بين الواقع الافتراضي والمادي، حتى يستقيم العمل السياسي بالمغرب ويكتسي مضمونا ديمقراطيا، بأن يصبح فصل السلط مفعلا، وتتعزز صلاحيات المؤسسات المنتخبة وتتوازن…الخ.
من أجل مراقبة مدنية موازية للسياسات والمرفق العمومي:
عندما يصبح الفساد مستشريا بشكل بنيوي في مفاصل الدولة والمجتمع، وتصبح أضراره عميقة تضر بالوطن والناس، هل تكفي المبادرات التي تقوم بها الدولة وإن كانت لها إرادة حقيقية في محاربته؟ يبدو أن تجربة المشاركة المواطنة في إطار الديمقراطية التشاركية التي أتاحتها القوانين تحتاج اليوم لعملية تقييمية مستقلة حتى تقوم فعلا بالأدوار المناطة بهذا الصنف من العمل المدني. ولكن يبدو أيضا أن لا مخرج لنا مما نحن عليه إذا لم نقم بتحصين هذه المبادرات والمطالبة بتطويرها وضمان استقلالها، وهذا لا يتأتى إلا بتنظيم المراقبة المدنية بشكل منظم شبكي يبدأ من الأحياء، بالأشخاص النزهاء من النساء والرجال، يسجل الخروقات والتظلمات مستعملا ما تتيحه التكنولوجيا الرقمية، ويرفعا بشكل عمومي لمن يعنيهم الأمر وينظم حولها الأعمال الضرورية لحلها، ليصب في شكل من أشكال العمل على مستوى المدينة أو الجماعة القروية. لم تعد لنا من إمكانيات أخرى لإعادة الصلة بمتطلبات الناس وحاجياتهم، من مختلف طبقاتهم المتوسطة وفي وضعية هشاشة أو الفقيرة في المدن والأحياء الهامشية والقرى، إلا أعمال اليقظة الشعبية القريبة من الحياة اليومية للناس. مع الانفتاح، لما تتيحه تكنولوجيا الاتصال، على أشكال الممانعة الأممية لأليغارشية رأسمالية المراقبة والاقتصادات المخربة للبيئة والإنسان.