ما الذكريات؟

عبد الإله ابعيصيص

في أسباب النزول،
كنت على متن السيارة في ساعة متأخرة، عندما تسللت بين أمواج إحدى الإذاعات أغنية السورية الجميلة دوما ميادة الحناوي “كان يام كان”. حملتني على أجنحتها وسافرت بي في عوالم الذكريات التي لا أحبها. بصدق أنا لست من عشاق أسطورة “الزمن الجميل” لأنني أعتقد أن أجمل ما في الزمن أو الأزمنة هو الحاضر وبعض المستقبل. لكن الأغنية وكلماتها سحبتاني الى حيث لا أريد إلى الماضي البعيد. وتساءلت على هامش سفري على متن قطار الذاكرة لماذا لم يعد شعراؤنا وكتابنا يكتبون عن الحب؟ الم نعد قادرين عليه؟ أم أننا شخنا بما يكفي لنفر الى الحكمة والعمق؟ اليس الحب عين الحكمة؟ اليس الحب هو العمق؟ ووجدتني أتساءل ما الذكريات؟
هي خيوطٌ من ضوءٍ تنسج لنا دروب الماضي، وتزرع فينا أزهارًا من حنينٍ لا يموت. عندما نغمض عيوننا للحظة، تطرق تلك الذكريات باب القلب، فتُحرّك فينا ما كان صامتًا: ابتسامات كانت، دموعًا ذهبت، ضحكاتٍ ترددت في الأرجاء.الذكريات تُذكّرنا بأنّ زمنًا مضى، وأنّنا تغيّرنا، وأنّنا – رغم كل شيء – ما زلنا نحمل داخلنا ذاك الماضي، نحتضنه أو نحاول نسيانه.تُعلّمنا الذكريات دروسًا، فهي تُخبرنا بأننا عشنا، وأحببنا، وآلمنا، وتغيّرنا. وعلى الرغم من أن بعض الذكريات تؤلّم، إلا أنها تصنعنا، تجعلنا ما نحن عليه اليوم.
لكن ما الذي تفعله بنا الذكريات بالفعل؟ ما الذي تفعله بنا الذكريات، حين تتنكّر في هيئة حبٍّ قديم أو قصيدة كتبت خلسة؟
إنها تجعلنا نتوق إلى البساطة التي كانت: لحظةٌ صغيرة، دون زحمة، دون تعقيد. تجعلنا نشعر بأننا ما زلنا على قيد الحياة، لأن ما نفتقده أصبح جزءًا من ذواتنا .فالحبّ الأول كالقصيدة الأولى تماما، هو أكثر الذكريات رهافةً ووجعًا؛ إنّه الوميض الذي لا يتكرّر، والجرح الذي لا يندمل تمامًا، والباب الذي يبقى نصف مفتوح في الذاكرة.
إنه القصيدة التي كتبها القلب قبل أن يتعلّم الخيبة:
ذكرى مفردة لكنها لا تقبل إلا ان تكون جمعا مؤنثا سالم رغم أننا لا نخرج منها سالمين. كأنها تأتي على مهلٍ، تحمل عطر الربيع الأوّل، وتترك في القلب ارتباك البدايات، ذاك الحبّ الأول القصيدة الأولى، الجرح الأول، الحنين الاول… لم يكن حبا فحسب ولا قصيدة فقط، ولا مجرد حنين، لقد كان نشيدا فطريا، عزفته أرواحنا قبل أن تتعلّم اللغة. كان دهشةَ الاكتشاف، وبساطةَ الإيمان بأنّ المشاعر لا تموت. كُنّا نلتحف النقاء والصدق كالأنبياء، لا نعرف من العالم إلا وجوها تبتسم، ولا من الحب إلا ما يشبه الضوء حين يلامس الماء.
لم نكن نعرف أن الوعود يمكن أن تنكسر، ولا أن العيون التي تُنصت لنا بصمتٍ عميق يمكن أن تغيب يومًا دون وداع ولا سابق بلاغ. لكن الزمن علمنا أن الحب الأول حتى وإن شاخ…فإنه يختبئ في أبسط التفاصيل، في أغنيةٍ عابرة، في طريقٍ مررنا به مصادفة، في رائحة المطر حين تلامس التراب. نظن أننا تجاوزناه، فنكتشف أننا نحمله معنا، مثل وردةٍ يابسة بين صفحات كتابٍ قديم، ما زالت تحتفظ بعطرها.
الحبّ الأول ليس ذكرى عادية، بل مرآة نعود إليها كلّما تعبنا من الوجوه الجديدة، فنرى فيها أنفسنا كما كنّا، نحبّ ببراءة، ونحلم بلا خوف، ونكتب الشعر دون أن نعرف أننا نكتبه. تلك القصيدة الأولى التي خطها القلب على هامش العمر، لم تكتمل يوما. كل سطر، كل حرف، كتبناه بعدها كان محاولة لإتمامها، وكل حب جاء بعدها كان ظلا لذلك النور الأول. ما أجمل أن نحتفظ بذلك الوميض في مكان من الروح، لا لنعود إليه، بل لنتذكر أننا كنا يوما قادرين على هذا القدر من النقاء، قادرين على أن نحب كما تحب الطفولة، بلا شروط، بلا خوف، بلا وعي بالغياب. ولا تقدير للعواقب.
القصيدة الأولى لا تموت، هي تنام في القلب، تستيقظ حين يمرّ النسيم، فتُعيد إلينا وجع الجمال، وجمال الوجع، وتتركنا نبتسم بحزنٍ جميل، كمن يلمس ظلّ نفسه القديمة في مرآة الزمن. الذكريات لا تزورنا، بل تسكننا. هي ليست صورا من ماض بعيد، بل أرواح صغيرة تهمس في أعماقنا كلما ظننا أننا نسينا. تمشي بين نبضات القلب كأنها تعرف الطريق، تفتح الأبواب التي أغلقناها، وتعيد إلينا أصواتا خفتت، ووجوها ذابت في الغياب وما ذبلت. إنها لا تكتفي بأن تعيد الماضي، بل تعيدنا نحن إلى ذوات كناها يوما، إلى نسخ من أنفسنا لم تعد موجودة إلا في تلك اللحظات التي تشتعل في الذاكرة كجمرة لا تنطفئ. نحن لا نتذكر فحسب، نحن نحترق بالحنين.الذكريات تُربك الحاضر، تجعلنا نقترف جرم المقارنة بين ما كنّا عليه وما أصبحنا إليه، فنكتشف أننا تغيرنا كثيرا، وربما خسرنا شيئا من نقائنا في الطريق. وكلما حاولنا أن ننسى، أدركنا أنّ النسيان ليس هروبا، بل شكل آخر من التذكر. أجمل ما في الذكريات أنها تُبقي ما مات حيا فينا، وأقساها أنها تُذكرنا بأن كل ما نحبه قابل للفقد أقسى ما في الذكريات أنها تحيي فينا الخوف من الفقد. فالفقد ليس رحيلا فحسب، بل هو موت صغير يتكرر فينا كل لحظة تذكر.
نفقد أشخاصا، أماكن، أصواتا، تفاصيل كانت تمنح لحياتنا نكهة لا تُشبه شيئا. ومع كل تذكرينتصب الفقد وحشا كاسرا أمامنا، ومعه نتذكر أننا خسرنا جزءا من أنفسنا، كأنّ الروح تُقشّر ببطء من روحها. إن الذكريات تُعلّمنا أن الزمن لا يرحم، وأنّنا، شئنا أم أبينا، عابرون في مشهدٍ طويل من التكرار والغياب. ومع ذلك، لا نكفّ عن العودة إليها .نُغلق أعيننا، فنمشي بين أطلال الأيام، نلمس ظل ضحكة، أو صدى كلمة، كأننا نريد أن نُقنع أنفسنا بأن الماضي لم يرحل تمامًا، بل يختبئ في زاوية من القلب ينتظر لحظة استدعاء صامتة.
الذكريات، يا أصدقائي، لا تُعيدنا إلى الوراء، بل تُذكرنا بأننا كنا نعيش حقا ذات يوم، وأن ما نملكه الآن، مهما كان ناقصًا، هو آخر ما تبقى لنا من زمن جميل رحل ولم يعد الحاضر من خلال عدسة الماضي، نرى ما تغيّر وما بقي. أحيانًا، تجعلنا نحبّ الماضي أكثر ممّا نحبّ الحاضر، وننسى أن الحاضر هو ما نبنيه اليوم. وأحيانًا أخرى، تجعلنا نترك وراءنا ما هو جميل، خوفًا من أن يرحل، فنضيع بين الماضِي والحاضر. لكن أفضل ما تفعله بنا الذكريات هو أنها تعطينا دفعة للمستقبل، إذ ما دامت ذكرياتنا موجودة، فإننا ما زلنا نأمل، ما زلنا نحاول، ما زلنا نكتب صفحة جديدة رغم أسراب الذكريات التي تحوم حولنا. فأنعم بذكريات تُغذي أملنا، ولنحاول أن نجعل من كل يوم جديد ذكرى جميلة، لأن ما نفعله اليوم سيكون مساء غد ما بين ثنايا الذكريات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist