إنصات ونقاش (1)

أحمد الخمسي

أولا، ضمن تربية الفرامل التي دأبت التنشئة الأولى على ترسيخها، فقد أصبحت السرعة التي تجري بها الأحداث على مختلف المستويات سرعة جنونية. مما يقتضي الفرامل في التعامل أكثر من أي وقت مضى.

حتى من لا يجرؤ على السفر، يجد نفسه في قطار مفرط السرعة، حيث تتوالى المشاهد من وراء مقعد القطار ويحتاج النظر إلى خبرة في ملاءمة المشاهدة مع المسافات القريبة والمتوسطة والبعيدة.

ألن يفوتني منظر أهم؟ خصوصا في على مقربة من القطار حيث السرعة خاطفة أكثر؟

ثانيا، يستهويني على الانترنت أن أتابع أصدقائي الذين باعدت بيننا المنعطفات وتفرعات الطرق، بينما كنا يوما نلتقي قراء لهم على صفحات الجرائد أو في اجتماعات دورية لهيئات تجمعنا. ونحن الذين ما زلنا على قيد الحياة، لا ننتبه لهذا الحظ الجميل، الذي نتمتع به وهو حظ معاينة ما أصبح عليه العالم ما تغيرات مذهلة، ما خطرت على بال قبل نصف قرن. يوم كنا في العشرين، نتخيل العالم بين أيدينا، ننطلق لنعيد صياغته كما كانت تشتهي منظومة نظرنا يوم حطت الإبادة الجماعية في فيتنام قبل أن تحط الرحال في فلسطين.

العالم بخير، ما زلت أتعلم الفلسفة عبر الفيسبوك، والاقتصاد، وهموم السياسة في وجهتها الحالية، والنقد الأدبي، والترجمة والرواية، و

العالم بخير، بتضحية القادة بأنفسهم من أجل القضايا العادلة، بخروج مناضلين عمالقة من السجن من بين ترع الدمار التي تركها النازيون الجدد. بحمل جثمان الرائع أسيدون على أكتاف رفاقه وسط مقبرة مغاربتنا اليهود مكفنا بعلم فلسطين. بتأكيد الأحداث السيناريو الذي استشرفه يساريو فرنسا ما دام يمينيوها يصرون على ملاطفة همجية أمريكا، يتخلون عن فرنسا الأبية مقابل فرنسا السمسرة، فرنسا “الوساطة السياسية”.

العالم بخير، ما دامت سنوات نصف قرن، لم تمحُ قط جداول مياه النضال وشلالات الشباب تصب في مجرى التاريخ. موجة بعد موجة، وشلالا بعد شلال.

العالم بخير، ليس فقط بأصوات الحرية، ولكن أيضا بما يعرفه المغرب، ولو من باب الخوف من الانهيار، وطمعا في البقاء، فتتبدل الواجهات، وتتجفف مرايا الشوارع، ويطمح الشباب في المشاريع الناجحة، ولو أنهم متسرعين كما لاحظت أستاذة الفيزياء النووية، رجاء الشرقاوي الشاذلي.

العالم بخير، ما دام الأستاذ علي بنمخلوف يتحفنا بعلم ضيوفه ولو بلغة ليست مقررة في دستور البلاد. وعلى الأولى الأمازيغية ننظر صحافية مصوابة ومؤدبة تنصت لفقراء إملشيل، وننصت من نفس القناة لأساتذة الريف (محمد شلقم) ولرصيد علماء سوس في المقاومة.

العالم بخير، وقد يقرأ يوما المناضل الصلب في لبنان، جورج عبد الله، ما دبجته يوما في حق الراحل محمد بنسعيد آيت يدر. قد يستغرب الأصدقاء كيف احتفظت على صورة الفيسبوك، بعالم ناصر الزفزافي طيلة ثمان سنوات مضت، والله و “ما يسالوني المغاربة حلوف” لأنني ما نسيت يوما جورج عبد الله سجينا في “مدينة الأنوار” ونفس اليوم سنراه عندما يخرج ناصر من السجن مرفوع الرأس. يتذكر رئيس البرلمان المغربي السي رشيد، أننا كنا أصدقاء نجلس نحن الاثنين بجانب الكنيسة الشهيرة بساحة مولاي المهدي، أسابيع معدودة قبل أن يتقلد منصب وزير في حكومة جطو. ويتذكر يوم ناداني ونحن قعودا (عائلتين)، لأتبين أنه رفقة عامل إقليم المضيق الفنيدق ساعتها محمد اليعقوبي.

المغرب بخير، لأن بين بناته وبنيه من يبقى في صباغته رغم المناصب، وهنا لا بد من التحية للرائعة حكيمة التي لم يغير جلدها المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي.

كم أنصتُّ صامتا أو ضاحكا مرة ومرة كاتما بؤس الملابسات، أو صابرا على الضنك، لأن طبائع المغاربة فيها الطيب غالبا على اللحظات الخاطفة من الأنانية أو الطموح المشروع في كل الأحوال. والحق أن أهل تطوان نبتة جيدة الكينونة ونموذج الجودة المغربية، لأن تطوان تختزل القدرة على إدماج التنوع في الوحدة الهجينة (بالمعنى الإيجابي لدى غويتيسولو).

قد نقرأ مئات الكتب التي تفسر التحولات الكبرى في كينونة الفرنسيين مثلا، وفي الشخصية التطوانية نقرأ خلاصة عظمة المغاربة من حيث الحكمة الهادئة، أو من حيث التضامن المبتسم الراسخ المتواضع أو من حيث الطموح والعمل المتابر بالصيغة الغربية الصارمة في التنظيم وضبط المساطر. أصدقائي الكثر، سيجدون أنفسهم ها هنا دون ذكر الأسماء، نساء ورجالا.

ما ينقص المغاربة جميعا، ليقتسموا معي ما أردده هنا (العالم بخير) هو النبش في تاريخهم، ليعلموا أن مجرد الموقع الجغرافي لبلدهم الجميل، يؤشر على كل الفضائل التي تميزهم، لو ابتعدوا عن بؤس النفسية الأوربية المحاربة طول التاريخ بلا هوادة.

وفي الحرب أيضا، ثلاث أسماء هنا الضون سيباستيان يذكر الأمين العام للأمم المتحدة بعظمة المغاربة، بل وتذكره أن راهبا أتى فاس يلعن النبي ويستفز المسلمين، وما مسه شر، حتى بلغ الأمر السلطان، فأحضر سجناء مسيحيين، ليشهدوا بما يقترفه الراهب من استفزاز لأهل فاس، ثم أصدر القاضي الحكم عليه، بما يستحقه. وما مارس المغاربة حكم القتل حرقا كما استشرت الظاهرة لدى الأربيين ضد الأبرياء.

العالم بخير، يكفي أن يؤدي كل مهمته بعزة نفس، ونكران ذات، واستحضار ما تركته قدوة الأجداد لطموحات الأحفاد رصيدا. فما من سفينة تمخر أمواج البحر العاتية إلا وتستند على عمود يغير الاتجاه من خلف.

الإنصات الأول الذي ما فرطت فيه، هو الاطلاع على التاريخ، لتتضح لي صورة المغاربة وسط العالم، وبلدهم الجميل، جغرافيا وسط العالم، ولو أن أميرا مشرقيا اعتقد – مازحا- أن المغرب ذيل العالم في صورة طائر، فرد عليه عالم مغربي: نعم سيدي، المغرب ديل الطائر، لكن المغاربة برؤيتهم التفاؤلية يرون الطائر طاووسا وأجمل ما في الطاووس ذيله (ذكره مولييراس، وفسره المؤرخ عبد الوهاب بنمنصور).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist