ظلت الفلسفة مقترنة دوما بالأشياء الكبيرة، وظل الفلاسفة يعشقون اللغة الكبيرة، ليس الفلاسفة فقط بل كل العاملين في مجال الفكر والابداع. يعتقدون أن اللغة البسيطة لغة العامة مجرد لغة رعاع لا تليق بالفكر والفلسفة. ويتناسون أو يسقط من حسبانهم أن هؤلاء الذين يسمون الرعاع هم الزبناء المفترضون، هم القراء فالكتاب لا يقرؤون للكتاب والشعراء لا يقرؤون الا شعرهم والفلاسفة لا يحبون بعضهم. إنهم لا يقيمون اعتبارا لفكرة صغيرة لكنها في غاية الخطورة، البشر العاديون لا يحتاجون للفلسفة الكبيرة. لا يعنيهم وجود الله في شيء فهذا السؤال خطأ لا يجب اقترافه. الفلسفة التي تعني البسطاء هي الفلسفة التي تطرح الأسئلة السياسية والاجتماعية والتربوية من قبيل لماذا نحن فقراء؟ هذا هو السؤال الفلسفي الوجودي الجوهري الكبير؟ لا يتعلق الامر بدعوة للدارجة، أبدا. هي دعوة للتفكير في لغة سليمة بسيطة واضحة مقروءة مفهومة. هي دعوة أيضا للاهتمام بالقضايا البسيطة اليومية.
إن الفلسفة، عبر العصور، تتغذى على “الأسئلة الكبرى”: الوجود، الله، المطلق، الحقيقة… وظل الفلاسفة، كما لو أنهم وكلاء عن هذا الكون، يتهامسون بلغة معقدة لا يفهمها إلا هم، لغة محمولة على جناح الغموض، مقصودة التعالي. لغة كأنها خُلقت لتبعد لا لتقرب، لتقصي لا لتشرك.
لكن ثمة شيء يسقط غالبًا من حساب هؤلاء: أن جمهورهم المفترض ليس سواهم. أننا نحن، “الرعاع” كما قد يسميهم بعضهم، من نقرأ لهم، نحاول أن نفهم، أن نقترب، أن نجد في فكرهم صدًى لما نعيشه من معاناة وأسئلة مربكة. ومع ذلك، يظل الفكر متحصنًا في أبراجه العاجية، يتأمل “الله” أكثر مما يتأمل الجوع، ويتساءل عن “الوجود” متجاهلًا قسوة الحاضر، ويتعالى عن سؤال بسيط لكنه فادح: لماذا نحن فقراء؟
هذا السؤال الذي يبدو، في ظاهره، اجتماعيًا أو اقتصاديًا، هو في جوهره سؤال وجودي حقيقي. إنه سؤال العدالة، سؤال الكرامة، سؤال الحرية. وهو ما كان يقصده كارل ماركس حين قال: “الفلاسفة فسروا العالم بطرق شتى، ولكن الأهم هو تغييره”. لقد انتقد ماركس انغلاق الفلسفة في التنظير المجرد، وطالب بأن تنزل من برجها العاجي لتشتبك مع الواقع، مع القهر الطبقي، مع فقر الأغلبية الساحقة.
وفي منحى قريب، كتب ألبير كامو في مطلع كتابه الإنسان المتمرد: “إن السؤال الفلسفي الأهم هو سؤال الانتحار: هل تستحق الحياة أن تُعاش؟” وهو بذلك يعيد تعريف الفلسفة باعتبارها ليست تأملًا في المجرد، بل مواجهة مع السؤال الحاد: كيف نحيا في هذا العبث؟ كيف نصمد رغم البؤس؟
أما ميشيل فوكو، فكان يطرح فكرًا يربط المعرفة بالسلطة، وكان يسأل: من يملك سلطة إنتاج الحقيقة؟، مشيرًا إلى أن الفلسفة حين تنفصل عن علاقات القوة، فإنها تصبح أداة تبرير لا أداة تحرير.
وبيير بورديو، أحد أبرز علماء الاجتماع، كان يسخر من اللغة المعقدة التي يستعملها الفلاسفة كي يُبْقوا مسافة بينهم وبين الناس. قال مرة: “اللغة المعقدة ليست دائمًا دليلاً على العمق، بل أحيانًا حيلة لإخفاء الفراغ.”
كثيرون كتبوا فلسفة معقدة، وعادوا في النهاية ليقولوا في “الحقيقة الفلسفية”: فمعظم مشكلات الفلسفة إنما هي نتيجة لسوء فهم اللغة.”، وهو ما يمكن أن اعتباره توجيها نقدي للفلسفة التي تستغرق في الأسئلة التي لا تهم أحدًا، وتفشل في ملامسة الأسئلة الحقيقية التي تؤرق الناس.
إن الفلسفة التي لا تستطيع أن تجيب عن سؤال “لماذا نموت جوعًا؟”، أو لا تراه سؤالًا فلسفيًا أصلًا، قد فقدت صلتها بالوجود الحقيقي، لا بالميتافيزيقا. إنها فلسفة تخلت عن وظيفتها الأولى: تحرير الإنسان من الخوف والجهل والظلم.
ربما آن للفلسفة أن تتخلى عن لغتها الكبيرة، أن تتواضع قليلًا، أن تجلس على الأرض، بين الناس، أن تنصت لأسئلتهم العارية والبسيطة. ليس لأن هذه الأسئلة “سهلة”، بل لأنها الأصعب. لأن سؤال “لماذا لا أستطيع أن أطعم طفلي؟” هو، في الحقيقة، أكثر فتكًا من سؤال “هل الله موجود؟”، وأشد إيلامًا من كل تأملات هيغل حول الروح المطلقة.