يتمدد هزال المنتوج الصحافي من الوعي الوطني وفرص صحافة الحوارات والتحقيق، إلى إذعانية الأعوان للأعيان. بحيث انشطرت الشخصية المغربية ما بين الجهل باللغات الأجنبية إلى الاستعمال المتكسر والمنحط بكيفية تنبئ بوضعية نفسية غير سوية مغربيا، إلى درجة التعلثم في تركيب الجمل عربية سليمة في الحد الأدنى من طرف الوزراء أنفسهم، نفسية فقر الدم في الانتماء تفرز مشاركة مضطربة وعليلة وغشاشة.
*
لماذا لم تساهم الصحافة في مواكبة كبرياء المغاربة المستحق؟ لماذا تغلُبُ السجالية المكرورة على الخطاب السياسي؟ هل مجرد عطب رقمي؟ أم استهلاك لثقافة وطنية منتهية الصلاحية مع حقائق الأنترنت؟
بين كرة الثلج المغربية التي تكبر ساطعة كل يوم، في نظر العالم، وبين هزال المنتوج الصحافي، مسافة الأسد والفأر. ألا تعكس احتكار الدولة للجودة خارج المؤسسات؟ ألا تعكس حقيقة سرعتين ما بين الدولة والمجتمع؟ ألم يذكر صاحب جائزة نوبل للاقتصاد أمارتيا سين أن مرحلة الصين السابقة تركت بنية قوية في التعليم والصحة لاقتصادها الرأسمالي الحالي؟
ألا نخاف من أن تكون المؤسسات الهيكلية نفسها تخفي هشاشة تصيب الدينامية الاقتصادية بتعب مبكر؟ أم أن ما أصاب اتحاد كتاب المغرب قبل عشر سنوات والصحافة اليوم محصور في مجرد جيل منتهي الصلاحية سيجدد نفسه بنفسه؟
على مستوى جوهر القضايا، تستمر صور نمطية تعرقل الدور الوظيفي المؤسسي، وتجدد أنماط سلوك انقسامي يهدر الطاقة ويسبب حوادث السير للمؤسسات. مما يرمي بمتلاشيات تعرقل دوران العجلات في مختلف القطاعات.
بينما اكتسبت الدولة قيمة نوعية في الخارج، ومعها المؤسسة الأمنية في الداخل، ما زال فرز النخب السياسية يمثل ثقلا على المؤسسات وعلى الكفاءات الفردية في المجتمع. بحيث تبرز وظائف كيدية وعمليات احتكارية ريعية من سلوكات الماضي ولا يمكن إبراء ذمة الدولة من إعادة إنتاجها. ألم تعوض الدولة الخوف السابق من المجتمع بازدراء مدمر لحاجته الملحة لحكمة جيدة؟ مما يوفر الذرائع لكل من يعتبر المغرب ما زال مجرد ثنائية البيروقراطية والتحكم. من يتأمل الندوة التي نظمتها أكاديمية المغرب في التسعينات حول الاختيار بين الاقتصاد والديمقراطية يستخلص انطباع التركيز على الأول وإهمال الثانية في الجوهر.
هل نضيف هذه التعقيدات لتعقيدات التَوَتْ في الجهاز العصبي منذ سبعين سنة، بصدد العطاء العظيم للمغاربة في وحدة قل نظيرها، بينما كرست الدولة وكبار الأحزاب ما أحبط وعي المغاربة وترك الأعطاب النفسية تتلخص في منسوب الثقة في مؤسسات القرب. ترخي ظلالها على نوايا المؤسسات الهيكلية للدولة.
مثلا: أكثر من مرة كررتُ أن المغرب لم يصل مفاوضات إيكس- ليبان، منَّةً من فرنسا. بل هي التي أسرعت إليها مرعوبة بعد موت قائدها العام للجيش الاستعماري في المغرب، مع طاقم طائرته فوق جبال الأطلس المتوسط يوم 22 غشت 55. أتحدى لو جريدة – بكل أنواع الجرائد- تخرج من مأزق أحد وجهي البؤس: إما أن تكذبني، ومستعد للسجن في حالة تزوير الحقائق، وإما تعبر صراحة أن صحافة التحقيق في الوقائع الوطنية بحجم جبل ايفيرست في الهيمالايا، لم تنجز عمل استدراك الوقائع التي أدخلت الوفد المغربي المفاوض مرفوع الرأس، موفدا من طرف القيادة السيادية الشرعية.
نعم حدث موت الجنيرال ريمون دوفال في الذكرى الثانية لنفي محمد الخامس أنسى الفرنسيين في هزيمته النكراء في ديان بيان فو في فيتنام (7 ماي 54) وفي انطلاقة جبهة التحرير بالجزائر (1 نوفمبر 54). حلت المأساة بفرنسا يوم 22 غشت 55، بفضل كفاح المغاربة. لماذا؟ لأن الجنيرال القتيل هو بطل مجزرة سطيف (8 ماي 45). وقد صرح قبل المجزرة، أنه سيمنح فرنسا 10 سنوات من الهدوء في الجزائر.
نقطة ثانية بصدد انبثاق صيغة “ثورة الملك والشعب”، فالارتجاف يبدأ بمجرد ذكر كلمة ثورة. أما وجود طرفي الملك والشعب في نفس الثورة، أولا الفكر السياسي الفرنسي يستهجن احتمال ذلك. وبالتالي يلصقون صورتهم النمطية على تجارب الأمم الأخرى.
وهنا يجب ذكر حيثية ثالثة جرت للفرنسيين عندما عزم نابليون على غزو اسبانيا.
فقد أوقع نابليون ملك اسبانيا (فيرناند السابع) في مقلب (1808) عندما استدرج الأول الثاني ليلتقي به على الحدود بين البلدين، ولما وجد ملك اسبانيا نفسه أمام نابليون حيث كتيبة تحاصر الملك، ألزم نابليون الملك بالتنازل على العرش فوقع التنازل. هذه السابقة، جعلت الفرنسيين يعتقدون من المستحيل، أن يمتنع محمد بن يوسف عن توقيع التنازل لابن عرفة؟
الوقائع أثبتت للفرنسيين أن محمد بن يوسف قرأ مليا ملابسات ما بعد الحرب واستخلص تبدل الوضع الدولي سنة 1953 مقارنة بعام 1912، فلم يوقع محمد الخامس وترك فراسته تستجلي الظرفية السياسية للانتصار المقبل. لذلك، في اسبانيا كانت ثورة شعب مدريد من أجل بقاء فرناند السابع بدلا من جوزيف بونابرت، بينما في المغرب رفض الملك التوقيع وثار الشعب ضد نفي الملك الذي لم يوقع. فأصبحت معادلة الملك والشعب في الثورة على الاستعمار مكتملة، ولما كان القرن العشرين في حد ذاته سلسلة من التغييرات حيث أصبحت كلمة الثورة مألوفة، والمغاربة بمجموع كيانهم يندمجون في العصر، وهو ما يعكس استيعاب المغاربة جميعا لما يستجد في النفس وفي لغة التعبير وفق مقتضيات التقدم. وليس من حق أحد أن يضع نفسه موضع من يحدد لهم اللغة والمفاهيم التي يعبرون بها عن حركاتهم التي بها يقتحمون العصر، وليس وفق الصور النمطية للاستعمار.
عندما قررت الولايات المتحدة دعم فرنسا في حرب الهند الصينية، تضخم وهم فرنسا كون المغاربة لن يستطيعوا التشبث بوحدتهم والصمود من أجل عودة الملك والاستقلال معا. كبرت الهوة ولما حصل موت القائد العام العسكري كل القمع الذي جرى في واد زم وغيره، انتهى في معنويات الفرنسيين.
التأثير الذي بقي يصل من القاهرة لعب دورا في حفر الهوة بين الوقائع وبين المواقف العنيدة ضد حقيقة ميزان القوى الذي اختل على الأرض لصالح المغاربة بقيادة محمد بن يوسف خلق مضاربة وعناد حول من قاد الأوضاع إلى الانتصار؟ فانفتح في ورقة التعبئة تمزق.
هذا التعقيد هو ما غاب عن الصف الثاني وهم محررو الصحافة الحزبية، وانتقلت المضاربة والمزايدة بصدد الاستحقاق إلى “حقائق” مزمنة على صفحات الجرائد، وبقيت الصحافة طول الوقت تضرب على نفس الوتر،
هذا الأساس السياسي السجالي المغلوط بقي ضابط إيقاع الحديث حول ايكس- ليبان. وانتقل إلى مرحلة الستينات والسبعينات نقاش مغلوط مفاده: مفاوضات ايكس- ليبان منحة من فرنسا للمغرب قصد الإسراع في الاستقلال الشكلي للاستفراد بالثورة الجزائرية.
يمكن التساؤل: لماذا تبنت الحركة الوطنية فقط الجزء المستخف بدماء المغاربة؟ أليس هذا فعلا موقفا طبقيا، اتخذه محترفو السياسة على حساب من هبوا في التظاهرات تحصدهم بنادق المستعمر؟
من جهتها، اتخذت الصحافة الموالية للسلطة في المناسبات الوطنية، موقف السكوت التام عن مفاوضات ايكس-ليبان من وجهة نظر الحقيقة التاريخية. لماذا؟ هل تم الاتفاق على تجاهل أسباب انطلاق المفاوضات من خلال موازين القوى؟ هل دخل الصمت ضمن البنود الخفية للاتفاقية؟
قد ينتبه الصحافي المنضبط للسياسة الرسمية فيشعر بالقنوط بسبب دخولي في المحظور. التوضيح بسيط، هناك آجال زمنية، تنتهي معها الصفة السرية من تلك البنود الموصوفة كذلك. ونحن الآن في السنة السبعين بعد إيكس- ليبان.
النتيجة، وفي المقابل، بقي جمهور المعارضة يستهلك معطى مغلوطا حول “المنحة” الفرنسية للاستقلال “الشكلي”. وفي الحقيقة كان هذا الموقف شتيمة طبقية في حق الشهداء من المقاومة ومن بناء الشعب بالآلاف. والأدهى والغريب هو أن نسمع أن فرنسا خافت من التصعيد بعد تشكيل جيش التحرير في أكتوبر 55. بالتأكيد سيزيد هلعها. لكن الانهيار جرى في 22 غشت. فالسياسوية المبكرة هي لفقت تاريخ الحسم في أكتوبر. وهو سطو مشترك لكل الأطراف السياسية الوطنية على حساب الطبقة الشعبية المتظاهرة قبل أكتوبر 55.
ولأن السياسيين انشغلوا بتشكيل صور نمطية للأحداث. مقابل ذلك صمتوا واستمروا في الصمت… ولم يكتفوا بالتعامل بأنانية مع حقيقة ايكس- ليبان. بل انشغلوا بسيناريوهاتهم، ولم يرفضوا أن يجلس أوفقير بجانب محمد الخامس وهو متنقل من المطار (16 نوفمبر55) إلى القصر بالرباط. مع كامل حسن النية، هذا يمكن أن ينتجه الجهل والأمية في البرتوكول، بينما كان عليهم أن يفرضوا رمزية خطاب طنجة يوم كان الملك رفقة ولي العهد والأميرة عائشة بالضبط يوم دخول الملك والشعب منتصرين.
*
رغم ذلك، ما تنكرت السلطة لمواطن فقير، آتٍ من كرسيف ليفتدي بروحه رمزية السيادة يوم 11 شتنبر المغربية، فأطلقت اسم علال بن عبد الله على الشارع الموازي للشارع الذي يحمل اسم الملك في العاصمة حيث البرلمان.
أنا معارض حتى النخاع، ولم أتصرف يوما في غير هذا الاتجاه، وبمعنى النقد المزدوج. وضمن دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع. لكن الدولة في كل بلد لها معالمها التي تميزها. ومختل العقل من يتنكر لملامح وجهه أمام العالم. فوجوه سكان الأرض تتجلى في من يمثلهم أمام الآخرين.
الحقيقة دائما ثورية. لأنها تكشف الخرائط الحقيقية لما جرى. بينما التضليل دائما رجعي ولو كان بلغة ثورية.
*
لقد واكبت الممارسة السياسية والصحافية بتمحيص الوقائع أولا.
لذلك، لما انتقلت الأنوار الى الدار البيضاء في رمزية المنطقة الخليفية التي بقيت وفية لرمزية السيادة سنة 1953، في الافتتاحية كتبت الارتباط بين التعبير الصحافي الوطني سنة 1953 والتعبير الصحافي الديمقراطي سنة 1996، لما صدر قرار ادريس البصر بوقف أنوال وسقط قراره في الماء من خلال الأنوار التطاونية أيضا. وتشهد روح ادريس بن زكري في طنجة سنة 1997، عندما علم الرأي العام من جريدة لوموند ديبلوماتيك مرض الراحل الحسن، صرحت ليصل الكلام من مواطن في ربوع المغرب، إلى القصر الملكي، اعطيونا عريضة يوقعها المغاربة، على ألف عام مقبلة لاستمرارية الدولة المغربية برموزها. قضية شكل الملكية، تنفيذية أو برلمانية، سيفرز المستقبل أن المغاربة يستحقون معا من التاريخ ملك دائم الركوب على فرسه، ومن العصر السيادة الشعبية التي لا تختلف جذريا عن للجمهوريات الدكتاتورية بصلة ولا شبه.
ومن كل هذا، انتصر المغرب ليس فقط على جزار سطيف فاستحق بنضاله عودة عاجلة للملك وبالتالي جلست فرنسا على طاولة المفاوضات صاغرة. بل وكان من وراء هذا الانهزام الفرنسي، انهزام أكبر: لأن الجنيرال جوان، يوم اعترض عليه روبير شومان وزير خارجية فرنسا، وأقاله من مهمة مقيم عام في المغرب سنة 1951، عوضه بترقيته ماريشالا، ثم عينه – بتنسيق مع ايزنهاور- على رأس قوات الحلف الأطلسي في أوربا، ثم تكرمت عليه الاكاديمية الفرنسية بعضويتها سنة 1953. ولما سقط الجنيرال ريمون دوفال، جزار سطيف، قتيلا فوق الاطلس المتوسط، سقط معه كل البرنامج الذي حاكه جوان ضد محمد الخامس ومعه الحركة الوطنية. ساعتها، اختلت التوازنات البنيوية في مؤسسات الجمهورية الفرنسية الرابعة. لأن الماريشال جوان كان يعتبر الجنيرال المدلل للجمهورية الرابعة. ثم، لما صرح لفائدة العسكر الانقلابيين في الجزائر(22 أبريل 61) ضد سياسة دوغول، أقاله دوغول. عقدة جوان مع المغرب، أولا عقدة شخصية تعود لكورسيكا مثل نابليون (نقل العائلة الملكية في الطريق المنفى الى كورسيكا كما لو تم تقديم سيادة المغرب هدية رمزية للماريشال جوان)، ثانيا بدأ مهنته العسكرية ضمن “فوج فاس” سنة 1912، وثالثا كونه ولد في الجزائر بالتالي شمال افريقيا- بالنسبة إليه- فرنسية إلى الأبد، رابعا كون محمد الخامس أعلن في طنجة انتهاء صلاحية عقد الحماية جعله بمثابة إعلان نهاية حلم/وهم جوان نفسه.
وبالمناسبة، لمن يدققون مسافة نبل خطاب الملك تجاه الجزائر، مقارنة مع لغة الذباب الالكتروني لدى الصحافة، مشحونة بالشتم الذي لا يليق بالمغاربة، فقد استضافت القناة الأولى مؤخرا مخرج فيلم وثائقي حول الكفاح المشترك بين الشعبين، ذكر المخرج أن محمد الخامس ومعه الشعب المغربي رفع ساعتها شعار “استقلال الجزائر قضية مغربية”.
*
متى بدأ انحطاط المنتوج الصحافي؟
لست أنكر أن الأحزاب الديمقراطية بقيت تلوك إلى الآن الموقف المغلوط بصدد إيكس- ليبان، ومعه عمى النظر إلى تناقضات القيادة الوطنية منذ خروج علال الفاسي إلى المشرق وصدور نداء القاهرة، وفي نفس السنة أرسى بورقيبة نظامه الجمهوري في تونس، وبعده جرى الانقلاب في العراق، وظهر أن ثورة الضباط الأحرار كما لو أصبحت نموذجا. بينما كانت رؤية محمد الخامس في غاية الحكمة لما عين المهدي بنبركة على رأس المجلس الوطني (البرلمان الانتقالي) وعبد الله إبراهيم على رأس الحكومة. من بعد، تخوف جزء من القصر من أن يقع تحالف موضوعي بين المشرق وفرنسا لشطب مؤسسة العرش في المغرب، والبقية معروفة.
ظلت الصحافة الحزبية تقدس ما يقوله الزعماء.
علما أن الحركة الوطنية، لو كان لها خبرة في البروتوكول الدولي، ما كان لقياداتها خلال سنوات 1956- 1961، سوى أن تتريث حتى في أخذ الصور مع الشخصيات العالمية. خصوصا لما يصبح الزعيم الفلاني له صفة في مؤسسات الدولة. لأن العلاقات الدولية كلها تحسب موقفا على السلطة السيادية. والسياسة من طرف فاعل سياسي، تصبح وقائع توضع في مختبر التأويل والربط مع ما سبق، من طرف أطراف خارجية وداخلية وشعبية. فيها رسائل للقراءة من مختلف المتلقين والمتابعين.
*
عندما أسرد هذه الأفكار، أتأمل سبعين سنة من المغرب المستقل. كما أتأمل خبرة المؤسسة الحزبية التي تنتدب بقرار من الهيئة القيادية من يتحدث باسمها. كانت الثقافة التقليدية تعيد إنتاج الثقافة الاقطاعية والاستقراطية والقبلية، ولم تكن الثقافة الوطنية تؤخذ بعين الاعتبار. وكانت التراتبية التقليدية نموذجا لا واعيا لدى الزعامات في الحروب، ولم تكن تأخذ نظام التواصل الحديث المنظم الذي يأخذ بعين الاعتبار الثقافة الحديثة الغربية ولا الاعتبار الرمزي التاريخي المحلي بالأحرى.
اشتغال الصحافة الحزبية وبعدها “المستقلة”، تارة تلوح بافتتاحية فرسان الشعراء الصعاليك في عهد الجاهلية وتارة تتصرف بتصرف العبيد لأنهما وجهان لثقافة واحدة. فالسجالية المتخاصمة والهدوء الذعن والمبرر تبلي سياسة الغضب والمزاجية أكثر ما تؤطر مواقف وحركات ومفاوضات.
حذر السلطة من الماضي، وتآكل ثقافة النزاهة الفكرية، لدى جميع الأطراف، ورصيد رعونة بعض عسكر الاستعمار تجاه المغاربة، كلها عوامل، نفسية واجتماعية أضيفت إلى غياب وضوح برنامجي تكويني مهني مرتبط بقطاعات السياسة الدولية والسياسات السيادية والسياسات العمومية وغياب ثقافة الندوات الصحفية الرسمية الدورية للتوجه العام، تركت الصحافيين يجتهدون كل حسب هواه الأيديولوجي أو فقره الثقافي أو طبعه المزاجي.
*
هذا الأمر، راكم الانحدار في معايير التعامل مع مادة التخصص ومع التنظيم المهني. وبالتالي، تأتي ظواهر الترهل والانحطاط تباعا: قبل عشر سنوات لحقت الأزمة باتحاد كتاب المغرب المؤتمن على الرقي الفكري والأدبي والفني، واليوم جاء دور الصحافة التي تعمم ما تراكم في الدوائر المعنوية الأخرى.
مع ما لا يمكن تجاهله من النبع الحكومي الذي أصبحت مياه تدبيره تصل ملوثة إلى الصنبور الإعلامي. فيعتقد الصحافيون ما لا ينتقد مادة للانتقاد وما يجب انتقاده ربما تركه يمر بسلاسة للحفاظ على استقرار المقاولة وحسن السيرة المرتبطة شرطا بالدعم والاشهار.
خلاصة القول، لا يمكن التعجب من مظاهر الارتجال والفوضى والترصد ذي الطبيعة المنحطة من مختلف الأطراف.
*
قضية جوهرية: ألا تتأمل الحكومة في كيفية مخاطبة الملك للجزائر، وحرص المربع الملكي على الظهور بمظهر الإنصات وعدم التسرع في مخاطبة الناس؟ كي يألف ذوي المناصب العليا الابتعاد عن أساليب الانتقام والارتجال وردود الأفعال والغضب واللامبالاة… لا أذكر هذه الجوانب كما لو اكتشفتها للتو… إنما استراق السمع مما حاول يساريو السبعينات، أن يغيروا به الممارسة التقليدية بعقلانية وجدل التفاعل، قصد مراكمة النفوذ، هو ما جعلني بعيدا عن ثنائية “مع أو ضد” وهي دروس تعلمناها منذ مطلع الثمانينات (قبل 45 عاما).
لا يجهل أحد أن تسرب الفرنكوفونية على الألسن بلغ التعود عليها حد الحط من الكرامة الشعبية؟ مع ذلك، المفرنسون الحقيقيون يعلمون جيدا العبارة المأثورة لدى الفرنسيين: الشخص هو الأسلوب. أما حافظو رباعيات عبد الرحمن المجذوب فلهم قاموس الحكمة المتكاملة منذ القرن السادس عشر.
فالنقاش المنحط يترك المتتبع يشك في ما كتبه معهد أجنبي حول المغرب (مغرب 2045: من الصعود إلى النفوذ الإقليمي) ما إذا كانت المسيرة حقيقية أم بروبغندا؟

Comments 1
من أصعب الوضعيات التي يجد الإنسان العاقل نفسه فيها هي وضعية “الموضوعية في الموقف” بمعنى ان تكون مع وضد في نفس الوقت…مع الدولة حين تصيب وضدها حين تخطئ…احمد الخمسي بتجربته الكبيرة يعطي الدرس: ما للدولة للدولة وما عليها عليها..