تنبني التنمية المجالية التي تعد من أهم المقاربات المعتمدة للتخطيط والتدبير الترابي، على مبدأ الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل مجال أو حيز جغرافي او تكتل بشري، هذا المبدأ الذي يجب مراعاته عند وضع وتخطيط وتنفيذ السياسات العمومية.
لكن، عند تأمل التجربة المغربية يظهر لنا جليا وجود فجوة بل هوة كبيرة بين التصورات والمخططات المركزية وبين الحاجيات الفعلية للمجالات الترابية.
وعليه، إذا أخذنا إقليم تطوان كنموذج لهذه الفجوة ولتلك الفوارق بين الحاجيات الحقيقية والتصورات المعدة، نجد ان اقليم تطوان وبالتحديد مدينة تطوان تشكل مثالا صارخا لعدم مراعاة الخصوصيات المحلية في العديد من المجالات.
إذا انطلقنا من أسس ومبادئ التنمية المجالية، نجد أن هذه المقاربة تعتمد على مبادئ أساسية، كتثمين الموارد المحلية، وإشراك الفاعلين المحليين ضمن مقاربة تضمن إحترام خصوصية المجال من حيث التاريخ والثقافة والعمران، وأيضا ضمن تخطيط متدرج يراعي الفوارق بين المناطق المراد تنزيل التصورات فيها، بشكل يضمن تحقيق عدالة مجالية عبر توزيع متوازن للبنيات التحتية والخدمات.
1- تطوان كنموذج لغياب مراعاة الخصوصية المحلية:
يتجلى غياب مراعاة الخصوصية المحلية على صعيد إقليم ومدينة تطوان في عدة نقاط لعل أهمها: -الهوية العمرانية والمعمارية للمدينة:
حيث تعد تطوان مدينة ذات طابع اندلسي مغربي، مصنفة ضمن التراث العالمي لليونيسكو منذ تسعينات القرن الماضي، لكن رغم ذلك شهدت المدينة خلال العقود الثلاثة الأخيرة توسعا عمرانيا لا ينسجم إطلاقا مع الطابع العمراني التقليدي، حيث عرفت المدينة إقامة مشاريع سكنية وتجهيزات ومخططات عمرانية بنمط مستورد يغيب الروح المحلية، مما يفقد المدينة هويتها وتميزها وخصوصيتها. يظهر ذلك جليا في غياب أي تصور لإدماج المدينة العتيقة ضمن الدينامية التنموية الجديدة، مما يهدد تراث المدينة المعماري ويؤدى إلى فقدان الانسجام العمراني.
-الفوارق بين الأحياء والعدالة المجالية:
رغم كون تطوان مدينة صغيرة نسبيا ومتجانسة عموما، الا انه من الملاحظ وجود تفاوت واضح بين مجموعة من الأحياء “جامع المزواق، كرة السبع، سمسة” مقارنة مع أحياء أخرى كحي الولاية وشارع الجيش الملكي وطريق مرتين، أو ما يمكن تسميته بالأحياء الراقية او الأكثر تجهيزا. حيث لا زلنا نجد افتقار العديد من الأحياء للمستلزمات الضرورية لجودة الحياة داخل أي مجتمع عمراني متمدن، كالصرف الصحي والانارة العمومية والفضاءات الخضراء.
مما يؤشر على ضعف التدخلات الجماعية في المناطق الأكثر هشاشة رغم حاجتها الماسة، ويعكس غيابا لأي تشخيص ترابي دقيق يمكن من توجيه الاستثمار العمومي بشكل عادل.
-سوء توجيه الاستثمار العمومي:
– حيث نلاحظ توجيه ميزانيات كبيرة من طرف الجماعة وباقي المتدخلين نحو تنظيم مهرجانات واتفاقيات شراكة شكلية او مشاريع تجميلية قصيرة الأمد بدل توجيهها نحو مشاريع للبنية التحتية في الأحياء المهمشة او تأخيرها دون مبرر مما يظهر ضعفا في ترتيب الأولويات وفق الحاجات الحقيقية للساكنة.
-بطالة الشباب وعدم ادماجهم في السياسات العمومية:
– تعد تطوان من المدن التي تعاني من معدلات بطالة مرتفعة خاصة بين خريجي الجامعات، ورغم ذلك يلاحظ غياب أي برامج للتكوين مرتبطة بالنسيج الاقتصادي المحلي، كما يلاحظ ايضا ضعف التنسيق بين الجماعة والوكالات العمومية ومؤسسات التكوين من أجل إيجاد هذه البرامج وتنزيلها، وحتى حينما تطلق بعض هذه البرامج، فإنها غالبا لا تأخذ خصوصية الاقتصاد المحلي بعين الاعتبار مما يجعلها غير ناجحة لإنعدام شروط نجاحها
-إشكالية التشغيل في مدينة واقليم تطوان:
– بصفتها معبرا حدوديا، ولظروف معينة لا يسع المجال لذكرها، عرفت المدينة عبر عقود بالتهريب المعيشي، هذا النشاط خلق اقتصادا موازيا قائما بذاته له جذوره الاجتماعية وبنيته وتفرعاته، وبعد إغلاق باب سبتة، يلاحظ غياب رؤية فعالة للادماج التدريجي للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل، حيث فشلت عدة محاولات لإيجاد بدائل اقتصادية فعالة تستوعب التجار والممتهنين للتهريب المعيشي وعوائلهم، كما يبرز غياب تصور اجتماعي مصاحب لقرارات الاغلاق الحدودي وتحول البنية الاقتصادية.
“يتبع…”