جمالية الحكي في رواية هل أطير كخفاش؟ أم أقفز كتيس؟ للمغربية أمامة قزيز

عبد الله المتقي

بداءة ، دعونا نتفق أن الأدب الموجه للفتيان  ” حرفة مشاركة في بناء النشء الذي يعول عليه في القادم المشرق ” على رأي الروائية الأردنية ” سناء شعلان”  ، وقد يظن البعض أن خوض تجربته  أمر يسير ، لكنه شائك  وأصعب أنواع الإبداع ، نظرا لخصوصية الفئة التي يتوجه إليها ، ونظرا لظاهرة العزوف عن القراءة ، والإدمان على الهواتف الذكية  .
وقد شهد هذا النوع من الأدب  اهتماما ملفتا في السنوات الأخيرة ، وخصصت له الجوائز والندوات  ، لكنه لا يرقى في المغرب إلى المستوى المأمول والمطلوب ،  لكن هذا ، لا يمنع من استحضار بعض الأسماء  المتميزة على سبيل التمثيل من قبيل : الرائد  عبدالسلام البقالي ، عائشة بناني ، عبد الحميد الغرباوي ، نعيمة فنو ،  محمد العمراني  ،  وأمامة قزيز التي صدر لها مؤخرا  عن دار المتيوي للنشر والتوزيع  رواية للفتيان بعنوان  ” هل أطير كخفاش ؟ أم أقفز كتيس ؟
وإن كان  اختيار العنوان له خصوصياته التي يجب احترامها ، في النصوص الموجهة لهذه الفئة ، فقد جاء عنوان هذا النص جملة استفهامية ”  هل أطير كخفاش ؟أم أقفز كتيس؟  ” ولا ريب أن هذا الاختيار كان هادفا ومقصودا  من الكاتبة ،لأنه يحمل عنصر التشويق ، الذي يعتبر  من التقنيات التي يعتمدها الكتاب عندما يتوجهون لهذه الفئة ، والأكيد أن اختيار الصيغة  الاستفهامية ، من شأنها جذب القارئ وإثارة رغبته  في معرفة الجواب الذي يرومه السارد ، وتأتي صورة الغلاف  لتقدم للمتلقي خطابا بصريا من خلال صورة من إنجاز الكاتبة لتفاقم التشويق.

وعليه يقبل القارئ على صورة ليث فوق كرسي ، التيس يدفع  ،  والخفاش ، الأشجار ، وحزام أخضر ، بداخل حديقة مسيجة ،وكل هذه العناصر الأيقونية تقدم شيئا عن المضمون .
بهذا كله ، تحكي الرواية عن ليث الذي يعاني من إعاقة جسدية ، جعلته يتردد بين الحكمة والهمود التي ينادي بهما الخفاش ، والمغامرة والحماسة التي ينادي بهما التيس” أكون أحيانا هامدا متسكينا ، أنصت لحكم الخفاش ، لكني سرعان ما أستعيد وثبة التيس وحماسة الفعل والمغامرة ” ص 90.ولعل هذا ما جعله يتأرجح بين نقيضين متشابكين  حينا ، ومندمجين حينا آخر يقول السارد ” غامر بحكمة ، واعتل القمم ، وكن قويا مهما كان وضعك المادي والعنوي ، وسر إلى الأمام ، وحاول أن توجد لنفسك منفذا للبروز والنجاح ” ص 1من خلال هذه الأحداث نستشف أن النص يعالج  موضوعا نادرا ما يلتفت إليه ، بل يعد من الموضوعات المهمشة والمغيبة ، وهو موضوع ” ذوي الاحتياجات الخاصة “، وهم الأفراد الذين يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية أو حسية أو نفسية.


ومادامت الرواية مجموعة من الأحداث ، فلابد لها من شخصيات تحركها ، مما يضعنا أمام مجموعة من الشخصيات المركزية   والمساعدة والمتعددة ، بشرية ” ليث ،  الأم ، ريم ، مريم ، رحاب ، أيهم …” ،  وحيوانية” التيس ، الخفاش ” ،وتظهر براعة الكاتبة في  تصوريها توظيفها لشخصياتها بطريقة موضوعية ، مراعيا تكوينها النفسي والجسدي ، كما تبرز سلوكياتها وعواطفها ومواقفها ، ومن ثم انسجامها  وإدارتها بما يناسب موقعها الاجتماعي ، مما يجعل المتلقي ينجذب إليها ، وبالرغم من تعددها لم تؤثر على الأحداث ، ثم أن الفئة العمرية التي تتوجه إليها الرواية يمكنها التفاعل مع هذا الوضع المتعدد .
كذلك يحفل النص بمجموعة من القيم التي حققت مغانم هامة تناغمت مع مضامين الأحداث من قبيل:
الصبر:” علي أن أصبر، وألا أكثرت بنظرات الزملاء والزميلات وهم يتابعون الجمل الفضائي الذي يقطر ماء مستهل كل صباح باكر إلى قسمهم” ص 1،.
التكافل الاجتماعي والتربوي من خلال الأندية التربوية بالمدرسة التي تشير إلى تضافر جهود التلاميذ لتحقيق التعاون وتقديم الدعم والمساعدة ، بهدف تطوير مهاراتهم وتعزيز انخراطهم في المجتمع :” أحسست أن الكل كان يفكر في أمري ، خاصة رحاب التي أخذت على عاتقها مسؤولية الترويج وإقناع تلامذة المؤسسة بواجب المساهمة المادية في سبيل اقتناء كرسي جديد ” ص 89 ، ولعل هذا الدعم من شأنه حماية ليث دون عزله اجتماعيا، ويزيد من تحفيزه على الانخراط في لعبة  رياضة الكف التي حقق من خلال ممارستها نجاحات باهرة ، ومن ثم إشراكه وتعزيز قدراته .
تحدي الإعاقة وعقباتها في البيئة المحيطة :” أخيرا تدحرجت من على الطاولة ، وقررت الزحف نحو الأسفل ، استعملت أغلفة الدفاتر ، ولففتها حول يدي وركبتي كي لا تتسخ أطرافي بغبار الأرضية ، ثم زحفت نحو الباب ” ص 8.
الاجتهاد و المواظبة بالرغم من الإعاقة :” ولما ظهرت النتائج كنت من بين التلاميذ المتبوئين الرتب العشر الأوائل ” ص 46
وحتى لا نكتفي بملامسة المضمون  والشخصيات والقيم ، لا بد من ملامسة القيمة الفنية والإبداعية ، وبالعودة إلى النص نلاحظ أن لغته تجمع بين الفنية واللطافة ، والصور التشبيهية لتوضيح المعاني وتقديمها بصورة أكثر جمالًا وإيحائية ، ومن الأمثلة على ذلك :
” دار بؤبؤاي الأشبهان كجدي متحفز للقفز من أعلى الجرف ” ص 7
أما لغة الحوار فاتسمت بالبساطة والوضوح ،  وتتلاءم مع  طبيعة الشخصيات دون حشو أو إطناب، من ذلك  الحوار الذي جرى بين ليث ومدير المدرسة :
–      سيدي المدير ، أريد الالتحاق بالملعب كي أتفرج على المباراة
طالعني بدهشة، ثم قال :
–      فهمت إذن ، تركوك وحيدا في بالفصل
ثم تأتي الرسومات الداخلية التي بلغ عددها ثمانية ، وهي تنفيذ الكاتبة  لتتناغم مع الكلمة ، لأن الرسم أو الصورة المستخدمة ليست لتزيين الكتاب ، بل إن دورها ووظيفتها هي أن تضيف إلى المضمون ما يحفز على الفهم لدى المتلقي “، وبذلك تكون وسيلة لتنمية خياله وقدراته الابتكارية ،ورسالة بصرية تخفف الملل أثناء قراءة الكتاب2 “.*
ونحن نصل إلى النهاية ، لا يسعنا سوى القول بأن “هل أطير كخفاش؟ أم أقفز كتيس؟ ”  مناسبة للفئة العمرية التي توجهت إليها ، بقصد توجيهها وإقناعها بأن الحياة جميلة ، وأن الإصرار لتحدي العوائق والعيوب والنقائص حتى التي نعاني منها الذات ، وهذا من شأنه تحقيق أحلامنا وتطوير شخصيتنا .
—-
هوامش :
ذكاء الحر ، الطفل العربي وثقافة المجتمع، دار الحداثة ، بيروت ، ط1،1984،،ص149

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist