تعرف مدينة وزان خلال السنوات الأخيرة دينامية تنموية لافتة، غير أنّ واحداً من أكثر المشاريع إثارة للجدل هو مشروع المستثمر الألماني الذي تعوّل عليه الساكنة لخلق فرص شغل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. وبين الوعود التي انطلقت منذ 2022 والتطورات التي ظهرت تباعاً، ظلّ المشروع معلّقاً بين التعثر والانفراج، قبل أن تتجدد آمال خروجه إلى حيز التنفيذ مع نهاية 2025.
** مشروع استثماري ضخم يَعِد بـ680 منصب شغل: **
يَعِد المشروع — الذي تُقدّر قيمته الاستثمارية بحوالي 12 مليار سنتيم — بإحداث مصنع متخصص في إنتاج أجزاء ميكانيكية ذات طابع صناعي متقدم، مع قدرة تشغيلية تصل إلى نحو 680 منصب شغل مباشر. وهو ما يجعل منه أكبر استثمار صناعي يُطرح في إقليم وزان منذ سنوات، وورقة قوية لإعادة تشكيل النسيج الاقتصادي المحلي الذي ظل يعتمد أساساً على الفلاحة والأنشطة التجارية الصغيرة.
** البداية: رغبة ألمانية وحماس محلي: **
بدأت القصة مطلع سنة 2022، حين أبدى المستثمر الألماني رغبته في اقتناء عقار بتراب جماعة وزان لإقامة مشروعه الصناعي. استقبِل الرجل من طرف مصالح العمالة بحضور رئيس الجماعة، وتداولت الأوساط المحلية خبر المشروع بتفاؤل كبير، خصوصاً في ظل ما يعد به من فرص شغل ومردودية اقتصادية.
غير أنّ الأرض التي تم اقتناؤها كانت مصنفة ضمن “الأراضي الفلاحية غير المجهزة”، وهو ما سيفتح باباً طويلاً من الإشكالات القانونية والإدارية التي سترافق المشروع لسنوات.
** تعثرات قانونية… وتصميم تهيئة لم يكتمل: **
القانون المنظم للتعمير في المغرب لا يسمح بإقامة منشآت صناعية فوق أراضٍ فلاحية غير مهيأة، ما لم تُستكمل تجهيزات أساسية من طرق وشبكات كهرباء وماء وتطهير. وهو ما جعل المستثمر يُواجه أول عقبة بعد شراء الأرض.
وتعزّزت الصعوبات مع غياب تصميم تهيئة مُصادق عليه يدمج المنطقة ضمن نطاق مخصص للأنشطة الصناعية. ورغم أن المجلس الجماعي عرض المسطرة على لجانه سنة 2023، وظلّ الملف ينتقل بين مرحلة البحث العلني والمصادقة الجهوية، فإنّ نشر تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية — الخطوة الحاسمة — لم يتحقق لوقت طويل.
** جدل سياسي داخل المجلس الجماعي: **
لم يخلُ المشروع من تجاذبات سياسية داخل المجلس الجماعي لوزان. فقد اتهمت المعارضة الأغلبية بـ“تعطيل المشروع” وعدم التعجيل بتوفير الشروط القانونية اللازمة، بينما ردّت الأغلبية بأن الملف يتطلب مساطر مركزية لا يتحكم المجلس في وتيرتها. هذا السجال خلق حالة من الشك لدى الساكنة حول مصير المشروع، بين من يرى أنه تعثر طبيعي في مسار الاستثمار، ومن يعتقد أنه يدفع ثمن صراعات انتخابية.
** 2025… بداية الانفراج وتدخل الجهة: **
مع منتصف سنة 2025، بدأت بوادر الانفراج تظهر. فقد انطلقت أشغال تعبيد الطريق المؤدية إلى موقع المشروع، في خطوة اعتبرها المتابعون بداية فعلية لرفع العوائق اللوجستية التي ظلت تحول دون وصول المعدات والأساسات.
وفي سبتمبر 2025، أعطت اللجنة الجهوية للاستثمار بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة الضوء الأخضر للمشروع، وهو تطور نوعي أعاد الثقة للمستثمر وطمأن الساكنة بأن المشروع لم يغادر المنطقة.
** آمال وخيارات… وعيون على سنة 2026: **
الساكنة اليوم بين التفاؤل والحذر. فالمؤشرات الحالية تشير إلى أن المشروع دخل مساره الإداري النهائي، وأن انطلاق الأشغال قد يصبح واقعاً خلال 2026، خصوصاً إذا اكتملت أشغال ربط الأرض بالبنيات التحتية الأساسية.
غير أن خبراء التنمية المحلية يؤكدون أن نجاح المشروع سيكون رهيناً بتسريع نشر تصميم التهيئة، وإبرام اتفاقية استثمار واضحة تُحدد التزامات جميع الأطراف، وتعجيل عمليات الربط التقني بالماء والكهرباء والصرف الصحي.
** مشروع قد يغير وجه وزان: **
إذا خرج المشروع إلى حيز التنفيذ، فمن المنتظر أن يُحدث تحوّلاً اقتصادياً لافتاً بمدينة وزان، التي طالما عانت من ضعف الاستثمارات الصناعية وهجرة اليد العاملة نحو المدن الكبرى. وبفضل ما يعد به من مناصب شغل واستقطاب لمورد اقتصادي جديد، قد يشكل المشروع بداية لتموقع المدينة داخل خارطة الاستثمار الصناعي بجهة الشمال.
*** يبقى مشروع المستثمر الألماني واحداً من المشاريع التي علّقت عليها وزان آمالاً كبيرة. ورغم التعثرات التي دامت لسنوات، فإن التطورات الأخيرة تُشير إلى أن المدينة باتت أقرب من أي وقت مضى لرؤية أول ورش صناعي كبير يُقام على أرضها منذ عقود. وبين التفاؤل والحذر، تظل سنة 2026 مفصلية في تحديد ما إذا كان هذا المشروع سيظل “حلماً مؤجلاً” أم سينطلق ليصبح رافعة حقيقية لتنمية الإقليم.