قبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت الجدة تمثل جزءاً أساسياً من المشهد الأسري. صوتها الهادئ، وجلستها التي تفيض حناناً، كانا بمثابة نافذة يطل منها الأطفال على عوالم خيالية تنسجها كلمات بسيطة لكنها غنية بالمعنى. في ضوء مصباح خافت، كانت القصص تنبعث من ذاكرتها كصفحات كتاب حيّ، تحمل رسائل عن الشجاعة، والصبر، والكرم، ومبادئ تبقى راسخة في أذهان الصغار سنوات طويلة.
لكن اليوم تغيّرت ملامح المشهد. فقد اقتحمت الهواتف الذكية بيوت الأسر، وفرضت وسائل التواصل الاجتماعي حضورها القوي وسط الأطفال والشباب، الذين يقضون ساعات أمام محتوى سريع الإيقاع، جذاب لكنه في أغلب الأحيان بلا عمق ولا أثر تربوي. ورغم ما توفره هذه المنصات من معرفة واسعة وإمكانية للتواصل عبر العالم، فإنها تسحب من الأسرة شيئاً من دفئها، وتزرع نوعاً من العزلة داخل كل فرد رغم تزايد الاتصالات “الافتراضية”.
في هذا السياق، تبرز مقارنة طبيعية بين عالمين مختلفين:
حكايات الجدة التي تبني خيال الطفل وتقوّي الروابط الأسرية وتغرس القيم الأخلاقية، والسوشيال ميديا التي تمنح سرعة المعلومة واتساع التواصل لكنها تفتقر للمسة الإنسانية والحميمية التي لا تُعوَّض.
ورغم هذا التباين، ليست الغاية إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل إيجاد صيغة للتوازن. فالتكنولوجيا يمكن أن تصبح أداة إيجابية إذا استُخدمت بوعي، والجلسات العائلية يمكن أن تعود بروح جديدة، تعيد للحكاية مكانتها داخل البيت، ولو لدقائق يومياً.
في النهاية، قد لا تسترجع الأسر تماماً زمن الحكايات كما كان، لكنها قادرة على الحفاظ على جوهرها: لحظة دافئة، نظرة مباشرة، وصوت يحمل معنى… لحظة لا تستطيع أي شاشة أن تمنح بديلاً عنها.