في أفق كأس العالم 2030 هل يصدق حلم صحافيي مغاربة الخارج

أحمد الخمسي
(1)
مثل الرياضة، بل كرة القدم بالتحديد، صدقت صيغة مغاربة الخارج أطروحة متكاملة، ذهبت للبحث عن الكنوز في أوربا لتوسعة مسلك الشباب مثلما ذهبت صيغة الاقتصاد لتوسعة النفوذ في افريقيا، الفائض من هناك لتغطية الخصاص هنا، ونقل مال المغاربة إلى افريقيا لدعم الخصاص هناك.
والدرس المستخلص هو أن كنز الثقة حيثما وجد من الممكن تحريكه ونقله، والاستفادة منه. تلك فكرة جهنمية فريدة اكتشفتها الدولة واستثمرتها أطر المربع الأول، بمنطق الأخذ (من أوربا/الرياضة) والعطاء (افريقيا/الاستثمار). لتكتفي أحزاب الحكومة بتمرير صفقات الاغتناء الشخصي. في الأدوية وغيرها…
في الحقيقة، هذه الدينامية برهنت على أنها مفتوحة وبراغماتية، تجاوزت منطق غلب على فكر العالم الثالث الذي ظل في مأزق ووهم إعادة اختراع العجلة.
(2)
الخلفية الداعمة
من قبل كان اختيار الفاسي الفهري المخضرم في الخارجية، مرحلة انتقالية واكبت، على صعيد الطبقة السياسية في فرنسا تحولا سلبيًّا، فاستفاد المغرب بفك الارتباط بالتدرج، عبر متعددي اللغات في مربع الاستشارة(عمر عزيمان= الفرنسية والاسبانية)، ثم عرفت حكومة الانتقال التوافقي دخول وزراء مثقفين، ووزراء الاسبانية لغتهم الثانية.
كما دعم المحيط الملكي بمستشار تكوينه الأساسي، حول العمل النقابي، بتوليفة عجيبة، مكناسي مثل المحجوب بن الصديق، ولكن منفتح على الدور الكبير الذي لعبته الكونفدارية للشغل أواخر السبعينات.
اليوم يمكن القول، في مربع السيادة، حيث الاختصاص لا لبس، تمكنت الدولة من تطبيق “المفهوم الجديد للسلطة”. بتدوير رصيد المواقف المتعلقة بالتراب الوطني، إذ من عبد الرحيم بوعبيد وبنسعيد آيت يدر ينامان بهدوء، بعد ما ركَّبَت منظومة مشروع الحكم الذاتي، وهو ما يريح عبد الرحيم بصدد رفض الاستفتاء، ويريح بنسعيد آيت يدر بصدد عدم الإلحاق القسري للسكان (حواره مع محمد باهي حرمة). ثم صححت حالة المقعد الفارغ في الاتحاد الافريقي.
ذات يوم كتبت الأسبوع الصحفي أن الدولة تسرعت في مصادقة البرلمان على قرار العودة، وهو ما لم يكن يقع قبل 1999، ثم ظهر أن المنظور الجديد للدولة يتضمن هجوم ودي داخل افريقيا حيث لم يكن أحد ينتظرها: في افريقيا الانغلوفونية ولدى الدول التي تولدت عن الانفصال. وهو الذي أبرز دهاءً جديدا يبتعد عن الصدامية السابقة. بحيث صعّدت صيغة المودة مسلكا للهجوم لفائدة فتح مسالك متعددة في مختلف الجبهات التي يختارها المغرب. مما أفرز داخل البلدان المساندة لأطروحة الانفصال ما بين تراكم المرحلة السابقة وما بين العناد الأيديولوجي. إذ أصبح المنطق السليم والمصالح الافريقية العليا الفيصل الذي به تعيد الدول حساباتها تجاه القضية المغربية. وانقلبت المعادلة من كسب ما يفيد القضية المغربية ضمن تبعات الاصطفاف مع الغرب، إلى الاصطفاف مع كل من يراعي حقوق المغرب في قضيته الوطنية. وهو ما وفّر في الأخير امتناع روسيا والصين في مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر.
مع اعتبار المبدأ العام: مرافقة الاقتصاد في السياسة الخارجية، بمثابة سماد المصالح لتهيئة التربة للمواقف.
(3)
في المستوى الأدنى، تتجلى أزمة الطبقة الوسطى بوجهها الذاتي، منذ وقت غاب فيه الحساب الاستراتيجي، في مؤسساتها الطبقة الوظيفية: اتحاد كتاب المغرب قبل عشر سنوات، والمجلس الوطني للصحافة اليوم.
عندما يتم تحليل الأوضاع، بنزاهة صاحية، بدل فكر المؤامرة. ولما يتتبع جهد الدولة في الاستجابة الصامتة للنزوع السياسي العام، فليس من المعقول تحميل الدولة أزمة منظمة المثقفين (اتحاد الكتاب) ولا الصحافيين (بعد خلق هيئة التنظيم الذاتي) سوى بمنطق “المؤامرة” بروح العدمية، أو بصيغ المغاربة: المكلة فيه واللعنة فيه”، بل وبصيغة قصوى “ما نبغيك، ما نتخلى عليك”. وهو المنطق الذي يكشف حالة قصور ما قبل الرشد.
نعم، تطورت الصحافة في اتجاه جسم منفصل عن الأحزاب والدولة. باستثناء القطب العمومي طبعا. وهنا لم يستوعب المسيرون الحاجة إلى اكتساب هندسة فكرية سياسية تخفف العبء على الدولة، وترسخ استقلالية الصحافة إيجابيا عن كل وصاية.
لم يستمر الصحافيون الأوصياء عن القطاع في دعم المناعة الذاتية للصحافة من حيث جودة الموقف الصحافي.
فاعتبار المصالح العليا للبلاد، لا تعني الكسل الصحافي مقابل “كاري حنكو” للدولة العميقة أو للأحزاب الحكومية أو الموجودة رغما عنها في المعارضة. وبصراحة، لو وضع كل واحد نفسه محل الدولة العميقة أو الأحزاب، وقد أصبح “الصحافيون” الأوصياء ينشئون لأنفسهم وضعا اعتباريا لا بصفتهم صحافيين أصالة عن أنفسهم، بل بصفتهم وكلاء عن السلطة التنفيذية، ليمسكوا السوط لجلد زملائهم، ستقول الدولة العميقة: وانا مالي، الخدمة لله آ بلحمدوش، فابور.
بينما الدولة توفر التعويض عن المهام المحدودة في الزمن، ضمن إطار “التنظيم الذاتي”. ليتعفن الوضع فيوجد من يشتغل في الوسخ ومن يسرب الشغل المتسخ. هنا تأتي حكمة أخرى ورثها المغاربة عن أجدادهم: “اللي صاب الضحكة وما ضحكشي عليها، ربي يحسبه عليها”.
لكن النقاش المقرف: الكل ظالم والكل ضحية وفق تبادل التهم. وهذه المعادلة ليس سوى تطبيقا لمنطق العجزة والقاصرين بل والذين يجعلون من ذاتهم “أعوانا” في خدمة من يرون فيهم “أعيانا”. هو تطبيق لما سماه إيتيين دو لابواسي “العبودية الطوعية”. فالتلهف على “المجد” الوهمي ينحدر بصاحبه- على العكس من ذلك- نحو الدرك الأسفل.
(4)
هل يتذكر، صحافيو اليوم، المتنازعون، من يكتب هذه الكلمات؟ لقد أسقطت قرار الراحل ادريس البصري، في منع أنوال عن الصدور، عبر جريدة الأنوار المحلية بتطوان. ولأن أنوال نفسها كانت المدرسة الوطنية التي تمرنت عبرها على الكتابة الصحفية، ثم جاءت دورات التكوين في النقابة الوطنية للصحافة وكذا برامج إذاعة طنجة والمشاركة في الإذاعة الوطنية.
يوم حسمت أمري سنة 2015، كي لا يستعملني أحد لتجفيف وسخ علق برئاسة اتحاد كتاب المغرب، صدر في حقي قرار بالمنع من القطب العمومي.
ساعتها كان علي أن أراجع الصورة الشاملة. ما كان بوسعي لفظ كلمة واحدة أو حرفا واحدا يصل صداه سلبا تجاه من أكن لهم احتراما عاليا.
لا يمكنني أبدا أن أتسبب لحرج لمغربيات رائعات كن أو ما زلن محسوبات على الإذاعة الوطنية، أمثال لطيفة أخرباش أو خديجة البقالي أو صباح بنداود. ولا يمكنني أن أبادر “لاستخلاص قرار” لإعادة الاعتبار، عبر مد أصبع قد يشير الى مؤسسة يوجد بها من عرفه الناس بمودته وطيبوبته من عيار عبد القادر الشاوي.
الربح المشترك ربح وطني أولا وأخيرا. والخسارة الموزعة بين أوهام “الظالم” و”المظلوم” خسارة أشخاص يصبحون صغارا في عيون الرأي العام.
هذا الموقف العام الذي أعبر عنه، ليس لوكس زهد ولا أخلاق فوق العادة. فقط، يوم تجرأت أن أخوض في الشأن العام تتيحه لي ظروف الحياة السياسية في بلدي، تعلمت متى أقبل تراب بلدي قبل أن أسيئ إلى الغير، ودائما:
بلادي وإن جارت علي عزيزة /// وأهلي وإن ضنوا علي كرام
ومع ذلك: من قال إن بلادي قد جارت عليّ؟ ومن قال إن أهلي قد ضنوا عليّ؟
(5)
أخيرا، وعود على بدء:
لو نستحضر حكمة ثلاثية “مشروع الحكم الذاتي” و”استراتيجية كرة القدم”، وصيغة “مغاربة العالم”.
في ميدان الصحافة نجد الثلاثية الثانية التالية: نستحضر مثلا لائحة الصحافيين المغاربة الذين وقعوا احتجاجهم في قضية “اللجنة المؤقتة” (صفحة عبد الاله المنصوري في الفيسبوك)، ثم ننظر إلى أفق المونديال سنة 2030، وثالثا نتمسك بمبدأ “التنظيم الذاتي” للصحافة المغربية، للتخفيف على اللجنة المنظمة ومن خلال الإطار المحتمل ندعم عملها لرسم صورة جميلة للمغرب الصاعد.
ساعتها سنكتشف الثورة الصحافية المغربية عبر العالم: ثروة اللغات الأجنبية حيث يشتغلون، مما يساعد على توفير طاقم خبير في التواصل والترجمة والمتابعة للمباريات ومرافقة الفرق وطواقمها، ثم ثروة العلاقات مع الإعلام الأجنبي الحاضر في المونديال، وأخيرا القدرة على توفير إعلام موازي للمونديال ندا للند مع اسبانيا والبرتغال، دون مركب نقص.
لو اشتغلت اللجنة المؤقتة على أفكار تهم الصحافة كأداة في خدمة المغرب قبل أن تكون سلما للتسلق الشخصي، لوجد فيها المغاربة، أسماء يرافقون بوريطة ولقجع، ولرأينا أشخاصها من الآن يستثمرون حضورهم في الاتحاد الدولي للصحافيين بدل الانكماش في صراعات الديكة على حبات قمح بئيسة، يخفضون رؤوسهم نحو الأرض لالتقاطها بدل رفع الرأس للنظر في آفاق الكرة الأرضية، للانتقال من الصعود إلى تقوية النفوذ لبلدهم.
قلت هذا الكلام، لأن كأس العالم يهم المغرب وكل المغاربة وليس قضية سياسية. وأنبل ركن من أركان السياسة هو ما يجمع لا ما يفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist