في زمن تراجعت فيه قيمة العمل وارتفعت فيه أسهم الظهور أصبح من السهل أن نرى أشخاصا يحاولون صناعة مجد شخصي على حساب إنجازات غيرهم. فحين يغيب المحتوى الحقيقي يتكاثر من يستعيض عنه بالتضخيم الذاتي، وبالحديث المستمر عن أدوار لم يؤدوها أصلا. وتشير التجارب الاجتماعية إلى أن المجتمعات التي لا تكافئ الكفاءة ولا تحمي أصحاب الإنجازات تصبح بيئة مثالية لسلوكيات “السطو الرمزي”، حيث يتقدم من يتقن فن الاستعراض، لا من يحمل أدوات الفعل.
وتتجلى خطورة هذا السلوك في كونه يشوه المجال العام. فحين يتحدث من لا خبرة لهم في القضايا الكبرى، وتتاح لهم واجهات تمكنهم من تقديم أنفسهم كفاعلين، يصبح النقاش العمومي مجرد واجهة بلا عمق، وتضيع القضايا الجدية بين خطابات منمقة لا تحمل قيمة مضافة. والأسوأ من ذلك أن بعض هؤلاء يقدمون أنفسهم اليوم كدعاة ومناضلين لقضايا كانوا أول المنسحبين منها، بل وأحيانا من أبرز معارضيها. فيظهرون فجأة في صورة المدافع الشرس، فقط لأن اللحظة تسمح لهم بالتموقع وصناعة حضور مصطنع.
هذه الظاهرة لا تفسد فقط صورة الفعل المدني أو السياسي، بل تخلق أيضا سلطة زائفة لا تستند إلى أي تراكم حقيقي. فالاستعراض قد يلمع صاحبه لبعض الوقت لكنه لا يصمد أمام اختبار الواقع. وعندما يختفي ضوء الكاميرات ينكشف الفارق الواضح بين من راكم جهدا وبين من راكم كلمات. وبعيد وقت قصير يتبين أن “الأبطال الورقيين” الذين بنوا سمعتهم على أعمال الآخرين لا يستطيعون الدفاع عن شرعيتهم بمجرد سؤال بسيط حول ما أنجزوه فعلا.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: حين يتراجع الاعتراف بمن يعمل ويصعد منطق الضجيج، نخسر جزءا من قيمة الفعل نفسه. فلا يعود معيار النجاح مرتبطا بما يقدمه الشخص، بل بقدرته على الظهور في اللحظة المناسبة، واستغلال ملفات لا تخصه والحديث باسم مبادرات لم يكن جزءا منها. هذا الانتحال لا يظلم أصحاب الإنجازات فقط بل يحجبهم عن المشهد لصالح شخصيات لا تمتلك لا الخبرة ولا المصداقية.
إن مواجهة هذا الزمن الرديء تقتضي إعادة الاعتبار للبناء الهادئ وللأشخاص الذين تعلموا أن العمل الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان. فالمجتمعات التي تسمح للتفاهة بأن تقود الواجهة، وتفسح المجال للمتسلقين، تضعف نفسها من الداخل. أما الذين اعتادوا الركوب على نجاحات غيرهم، فسيبقون مجرد ظلال عابرة لأن التاريخ لا يحفظ أسماء من ضجوا كثيرا، بل من أنجزوا بصمت