لم يكن قرار وزير العدل القاضي بتخفيض سن ولوج مهنة المحاماة من 45 إلى 40 سنة مجرد إجراء تنظيمي عادي بل خطوة فجرت نقاشا حقوقيا وقانونيا واسعا لما تحمله من دلالات تمس جوهر الحق في الولوج إلى المهن الحرة. فحين يتحول “التنظيم” إلى أداة للإقصاء يصبح من المشروع مساءلة القرار لا فقط من زاوية الملاءمة بل من زاوية المشروعية ذاتها.
أول ما يلفت الانتباه في هذا القرار هو غياب التعليل الموضوعي. فلم يرفق بأي معطيات أو دراسات تبرر هذا التخفيض العمري ولا بتقييم يثبت أن سن 45 كان سببا في تراجع جودة الممارسة أو في اختلال أخلاقيات المهنة. والحال أن أي قرار إداري، خاصة حين يمس حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية يفترض أن يقوم على أسباب واضحة ومعلنة لا على تقديرات غامضة أو افتراضات غير مثبتة.
إن المحاماة من حيث طبيعتها القانونية، مهنة حرة لا تخضع لمنطق الوظيفة العمومية. فهي لا ترتبط بسقف تقاعد إجباري ولا تشكل عبئا على ميزانية الدولة، ولا تقوم على المردودية الزمنية بقدر ما تقوم على المعرفة القانونية، والقدرة على التحليل والتجربة المهنية. ومن هذا المنطلق فإن إسقاط منطق تسقيف السن المبرر عادة في التوظيف العمومي على مهنة حرة، يعد خلطا غير مبرر بين نظامين قانونيين مختلفين.
الأخطر من ذلك أن هذا القرار يثير إشكالا دستوريا حقيقيا
لأنه يمس بحرية اختيار المهنة ويؤسس لتمييز عمري غير قائم على معيار الكفاءة أو الاستحقاق. فالعمر في حد ذاته لا يمكن أن يشكل معيارا موضوعيا للإقصاء ما دام أن امتحان الأهلية والتكوين والممارسة المهنية كفيلة بفرز الكفاءات وضمان الجودة. أما الإقصاء المسبق على أساس السن فهو تمييز تعسفي يفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من محتواه الحقيقي.
كما يتناقض القرار بشكل صريح مع الخطاب الرسمي للدولة حول التعلم مدى الحياة وإعادة الإدماج المهني وتشجيع التنقل بين المسارات المهنية. ففي سياق اجتماعي واقتصادي يعرف تحولات عميقة أصبح تغيير المسار المهني خيارا مشروعا وواقعا معاشا لا استثناء غير أن هذا القرار يأتي ليغلق باب المحاماة في وجه فئات واسعة من المواطنات والمواطنين ممن راكموا تجربة قانونية أو مهنية متميزة فقط لأنهم تجاوزوا عتبة عمرية اعتباطية.
إن إصلاح مهنة المحاماة إذا كان هدفا حقيقيا لا يتحقق عبر تقليص دائرة الولوج إليها بل من خلال الرفع من جودة التكوين وخلق معايير للامتحان، وتعزيز أخلاقيات المهنة وضمان استقلاليتها. أما تسقيف السن في غياب مبررات موضوعية فلا يمكن اعتباره سوى إجراء غير متناسب يمس جوهر الحرية المهنية ويخرج عن منطق دولة القانون.
إن الدفاع عن الحق في ولوج مهنة المحاماة ليس دفاعا عن امتياز فئوي بل هو دفاع عن مبدأ دستوري أساسي
أن تقاس الكفاءة بالجدارة والاستحقاق لا بالعمر. فحين تصادر الحقوق باسم التنظيم يصبح من الضروري دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى أن دولة القانون لا تبنى بالإقصاء بل بضمان الحقوق والحريات للجميع.