المثقّف في مجابهة الإرهاب: ظاهرة مركبة من الظلام والهزيمة.اعداد :عبد الله المتقي ، تطوان و جمال قصودة ، تونس

عبد الله المتقي

نحنُ والآخر بقلم : إيناس أصفري / شاعرة سورية

بعد أن صرنا شتاتاً تغصُّ بنا الأصقاع والبلاد على اختلاف الاتجاهات والخرائط، يجدر بنا أن نتوقف عند أمر في غاية الأهمية، لا سيما نحن من يدَّعي الثقافة والفهم. هل سنبقى منغلقين على مفاهيمنا ومعتقداتنا يلاحقنا شبح الخوف من الانفتاح على الآخر حرصاً على أسرنا وأولادنا من التأثر بثقافة مختلفة ؟ لماذا نضع أنفسنا دوماً في موضع المتأثر لا المؤثر ؟ ماذا لو أثَّرنا نحن بكثرتنا التي أمست واضحة في العديد من البلدان، ماذا لو أخبرنا تلك المجتمعات المنغلقة هي أيضاً على موروثها بما نفكر فيه ، هواجسنا ، ما يؤرقنا، ألن يسمعنا الآخر، ألن يميل بإنسانيته التي ولد عليها كأي شخص على هذه الأرض نحونا ويشد على يدنا ؟ أم أن عقد النقص تظهر بقوة في المجتمعات التي نحسبها قوية وصلبة ولا تقهر بسهولة فنرى أنفسنا أقل مما يجدر بها أن تكون عليه ؟ ما يحدث في معظم الأحيان أننا بمجرد انتقالنا من مجتمعاتنا الغارقة في همومها إلى مجتمع بديل، يصبح هاجسنا هو كسب رضى الآخر، ننادي بحضارة الغرب التي هي في الأساس متعارف أخلاقي بين البشر جميعاً. ننشغل عن الهموم التي كانت تؤرقنا بهموم أخرى هي كيف سنبقى معزولين خشية أن يسري فينا ما في دمائهم، مع أننا هربنا مما في دمائنا. تناقض غريب كيف ستتمكن منه تلك الشريحة التي تتحدث باسم الوطن من الخارج بلا روح الوطن ولا روح الخارج الذي تحيا فيه أيضاً. متى نعي أن الإنسان هو هو في أي مكان، وأن لدينا الكثير مما يريد الآخر معرفته واقتباسه منا ، تماماً كما نحاول معرفته واقتباسه منه. لو بقينا معزولين كيف ستعي الشعوب التي نحيا على أرضها ما الذي جعلنا مقهورين إلى هذا الحد، ولماذا تعصى علينا السعادة والسلوى؟ أليس من الأفضل لو بقينا على ما نحن عليه ونحن مندمجين مع الآخر. أليس شرط الحضارة الأول كان في زمن ما كنا فيه أسياداً هو تمازج الثقافات أخذاً وعطاءً ؟

تتكرر المشاهد الدامية التي يصنعها التطرف وتتمثل في تلك الاجساد المفخخة من خلال ما نراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة والتى تترافق مع الحور العين الى جنة الخلد بحسب ما يفتئ به منظرو الفكر المتطرف، فتضيع معه طاقات شباب الامة العربية لصالح أعداءها الذين عملوا على تفريغها بشتى الوسائل عبر حزمة المؤامرات التي أبتدئها بالتغريب والغزو الثقافي ومسخ الهوية العربية الاسلامية وأنتهت الى ما نراه اليوم عبر توطين الفكر المتطرف بما يؤدى الى توجيه طاقات الشباب الي كل ما هو غير واجب ولا ضروري ولا مستحق! وفي هكذا اوقات يتطلع المجتمع إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف في مواجهة التيار المتطرف كنوع من الإقرار بأهمية دوره في المجتمع، بالرغم من أن المثقفين العرب لا ينتمون الى تيار واحد متجانس موحد الأهداف والاهتمامات، لكن هناك ثمة مشترك يجمعهم وهو أنهم الاقدر والأكثر استعداداً للتعبير الإبداعي والإنساني ، ما يضع على عاتقهم مواجهة الفكر المتطرف عبر التصدي لمهمة المبادرة إلى تأسيس وعي ثقافي، بحكم أن المثقف هو الأقدر على نقد الواقع والمساهمة في إصلاحه ، لانه قوي الإيمان بوظيفة الثقافة كمؤثر أساسي في خلق حالة الوعي ، ومؤمن بدور الشباب في المجتمع وقيادتهم للتغيير.من هذا المنطلق يتطلب الامر من كل المشتغلين بالفكر والثقافة والإعلام والتعليم أن يسخروا منابرهم وإمكاناتهم ووسائل إعلامهم وكل الطرق الممكنة لمواجهة الفكر المتطرف وكشفه وتعريته أينما وجد، وهذا يتطلب العمل على تعزيز الجانب القيمي بالمجتمع، والاهتمام بنشر وإشاعة الفنون كقيمة خيرة ليولد التناغم بين ملكات الإنسان، وبما يشعر الفرد بإنسانيته ويعيها، إذ لا يمكن للطبائع الإنسانية أن تكتسب النبل بدون تحقق الاشباع الجمالي الفني ومن هنا تأتي أهمية إشاعة ثقافة جمالية وتدريب العقل على إدراكها والكشف عن مناهل وينابيع تبقى شفافة ورائقة لا يصيبها التطرف مع مرور الزمن شرط أن تتحول تلك الثقافة الى سلوك عملي وألا تظل في الاطار التنظيري .

أن الفنون بمجملها كالتمثيل والموسيقى والغناء خاصة الأغانى الوطنية الحماسية هى إحدى وسائل القوى الناعمة لما لها من تأثير كبير فى وجدان الشباب، وتأثيرها على التخفيف من حدة التطرف، ولا أحد يغفل أهميتها ودورها فى تحفيز الجماهير على الانتماء والعطاء من أجل الوطن.ولكن تبقى المعضلة الرئيسية في مدى القدرة على تحويل هذه الابداعات الفنية والجمالية إلى سلوك يمارسه الإنسان في حياته وهذا يتطلب جهوداً مضنية للوصول إلى تحقيق الحالة القيمية الأخلاقية والتي من خلالها نستطيع أن نواجه أي فكر يحاول النيل من ثقافتنا العربية الاسلامية الوسطية و الصمود في وجه أي مخطط تآمري.

أن الخطاب الثقافي يمكن له اختراق منظومات التطرف الفكري، إذا توفرت له استراتيجية (المشروع)، وأُسست له منظومة متكاملة تؤمن بأهمية التأثير الثقافي على الجماهير الشعبية وذلك عبر عمل مؤسسي له تأثير طويل الأمد ودور في التغيير الايجابي.

ولهذا فانه من المهم للمثقف أن يعمل من خلال مأسسة الخطاب الثقافي وأن يعمل على التأطير له ضمن برامج متنوعة تصل إلى مرحلة بنّاء حالة من الاحساس والانتماء بهذا الوطن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist