التطرف يُعطّل اتفاق الاتحاد الأوروبي–ميركوسور  أعداء في الخطاب… حلفاء في التعطيل

عبدالحميد البجوقي

يُعدّ اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور أحد أكثر المشاريع طموحًا في السياسة التجارية خلال العقود الأخيرة. بعد أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا من المفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق تاريخي بين دول ميركوسور ـ أغلبها من أمريكا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.

يهدف الاتفاق إلى إزالة أكثر من 90٪ من الرسوم الجمركية بين الجانبين، وإنشاء واحدة من أكبر مناطق التبادل التجاري في العالم. غير أنّ هذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يُناقش من منظور تقني واستراتيجي، تحوّل إلى رهينة لصراع أيديولوجي متصاعد في أوروبا، عنوانه الأبرز: تحالف التطرف.

شكّل التصويت الأخير في البرلمان الأوروبي يوم 21 يناير 2026، الذي قرّر إحالة الاتفاق إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بدلًا من المضي قدمًا في المصادقة عليه، مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة. لم يكن ذلك رفضًا صريحًا، لكنه كان تعطيلًا فعليًا. والأكثر دلالة من النتيجة المتقاربة هو التحالف الظرفي الذي أفضى إليها، حيث صوّت اليمين المتطرف واليسار المتطرف في الاتجاه نفسه، ولو من منطلقات مختلفة جذريًا، لكن بآليات متشابهة على نحو لافت، التقى الطرفان على عرقلة اتفاق تدعمه المفوضية الأوروبية وغالبية الحكومات الوطنية. ولا يمكن القول إن الحجج التي يسوقها المعارضون بلا أساس، فهناك مخاوف مشروعة تتعلق بالتأثير البيئي وحماية القطاع الزراعي الأوروبي والقدرة التنظيمية للاتحاد. تجاهل هذه القضايا سيكون خطأً جسيمًا، غير أن المشكلة لا تكمن في إثارة التحفظات بل في تحويلها إلى أداة تعطيل دائم.

الأطراف المتطرفة لا تسعى إلى تحسين الاتفاق أو إدخال ضمانات واقعية، بل إلى منعه أصلًا. اليمين المتطرف يرفض الاتفاق انطلاقًا من منطق حمائي قومي، يقوم على الخوف من المنافسة الخارجية، والانغلاق الهويّاتي، وشعار «مصالحنا أولاً»، مع رفض أي تنازل في إطار متعدد الأطراف والتشكيك في المشروع الأوروبي ذاته.

أما اليسار المتطرف، فينطلق من عدم ثقة بنيوية في التجارة الدولية التي يصوّرها على أنها تهديد حتمي للبيئة وللحقوق الاجتماعية. خطابات مختلفة  لكن الهدف واحد، التعطيل.

في مواجهة هذه الدينامية، تجد الوسطية ـ بما تحمله من براغماتية ونزعة تفاوضية رغم عيوبها ـ نفسها محاصرة، الأحزاب الوسطية والاشتراكية الديمقراطية إلى جانب الليبراليين والمحافظين التقليديين، تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة استراتيجية لتنويع الأسواق وتقليص الاعتماد الخارجي وتعزيز موقع الاتحاد الأوروبي في عالم يزداد تشرذمًا. هم يدركون أن الاتفاق ليس مثاليًا، لكنهم يدركون أيضًا أن السياسة التجارية لا تُبنى على النقاء الأيديولوجي بل على التوازن والتسوية.

لا يقتصر الضرر الذي تُحدثه الأطراف المتطرفة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البُعدين المؤسسي والسياسي. عندما يتمّ تعطيل اتفاقات استغرق التفاوض حولها عقودًا بتحالفات ظرفية بين قوى تشكك في المشروع الأوروبي نفسه، فإن مصداقية الاتحاد كفاعل دولي تتهاوى.

الوسطية ليست ضعفًا، كما تُصوَّر أحيانًا، بل مسؤولية. هذا الاتفاق ـ رغم عيوبه ـ  يعني الاختيار بين بدائل غير مثالية وتحسين الممكن والمضي قدمًا. أما الأطراف المتطرفة، فهي مرتاحة في منطق «اللا»، لا للاتفاق، لا للتسوية ولا للتدرّج. وعندما تلتقي هذه المواقف، يصبح هذا الرفض أثقل وزنًا من أي طرح بنّاء.

يُشكّل اتفاق الاتحاد الأوروبي–ميركوسور جرس إنذار، ليس فقط في ما يتعلق بالتجارة الدولية، بل أيضًا بمسار أوروبا السياسي. عندما يلتقي التطرّف، فإنها لا تتوازن بل تُعزّز بعضها بعضًا. في هذا التصادم لا يخسر اتفاق واحد فحسب، بل تخسر قدرة الاتحاد الأوروبي على أن يكون فاعلًا جادًا، متماسكًا وذا وزن على الساحة الدولية.

لا تقتصر هذه المفارقة على بروكسل، بل تتكرر داخل دول الاتحاد، وتقدّم إسبانيا مثالًا واضحًا في علاقتها مع المغرب والسيادة المغربية على الصحراء الغربية، حيث يلتقي اليمين المتطرف واليسار المتطرف، رغم اختلاف منطلقاتهما عند النتيجة نفسها، رفض قاطع، تعطيل وغياب بدائل واقعية.

في الحالة الإسبانية، حوّل الطرفان المتطرفان ـ اليمين واليسار ـ  العلاقة مع المغرب إلى ساحة صراع أيديولوجي. اليمين المتطرف يرى في أي تقارب تنازلًا أمام جار يُنظر إليه كتهديد، بينما يعتبر اليسار المتطرف أي تحرّك دبلوماسي خيانة لمبادئ أخلاقية مطلقة، والنتيجة واحدة، عجز عن إدراك أن السياسة الخارجية لا تُدار بالشعارات، بل بالمصلحة الاستراتيجية والاستقرار والتوازن.

تبدو مصادفة غريبة… لكنها “الحقيقة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist