المثقّف في مجابهة الإرهاب: ظاهرة مركبة من الظلام والهزيمة اعداد :عبد الله المتقي ، تطوان و جمال قصودة ، تونس

عبد الله المتقي

عبدالحميد شوقي – شاعر وروائي مغربي
—

” المثقّف فاعل عضويّ أو لا يكون ” قد تسقط عنه الصفة تماما إذا ما استكان و استسلم للطوفان القادم ، فيصير بذلك مثقفا تقليديا يتأثر و لا يؤثّر، من هذا المنطلق و في ظلّ ما تعيشه أقطارنا العربيّة من رجّات و زلزلة قد لا تخفينا أو تربكنا ، و لكن غيّاب المثقف و غياب فعله المجابه لها قد يقضّ مضاجعنا ، و يربكنا” فلا تسقط …لا تسقط…لا تسقط ” كما يقول عبد الرحمان منيف ، لان سقوطك صديقي المثقّف يسقط عنك الصفّة، هيا ” نحّرك المياه الراكدة علّها تصير موجة جارفة ، تقاوم و تجابه الطوفان الداعشي القادم ، عبر هذا الملف الباحث عن ” دور المثقّف في مجابهة الإرهاب ” باعتبارك مثقفة ..كيف تقرأ هذه الظاهرة ؛وهل من مخارج وحلول تقترحها؟

عبدالحميد شوقي – شاعر وروائي مغربي

المثقف بالتعريف هو الناطق الرسمي والوجداني والعقلي باسم الحرية. إنها شرط وجوده، ولهذا نجد أن كل الديكتاتوريات والمنظمات الإرهابية تضعه كأول عدو يجب تصفيته. منذ استقال العقل العربي، تقلص دور المثقف من فكر نقدي لا يهادن السلطة مهما كان لباسها، ليصبح موظفا رسميا لديها، يبرر إيديولوجيتها وينشر أوهامها، ولا يداهن تمثلات المجتمع. وفي أحسن الأحوال يصبح متفرجا على الأحداث عوض أن يكون في صميمها. فمنذ تخلى المثقف العربي عن حرية أفقه الفكري في أن ينطلق من الواقع كما هو معطى لفكره وحواسه، وأصبح بدلا من ذلك يصادر على أولية النص الموروث في ممارسة التفسير والفهم، أصبحت مساحة مناوراته العقلية محكومة بنفس السقف الإيديولوجي الذي يعيد إنتاج نفسه بشكل دائم لا يتوقف عن استنساخ النموذج الذي لا يريد أن يتخلى عن سلطته. لا نستغرب ظاهرة داعش وسيادة الفكر الإرهابي اليوم. إن الإرهاب كما يعرفه هيجل، بمناسبة تحليله لفترة الإرهاب في الثورة الفرنسية، هو اصطدام العقل المجرد بالواقع الحي. ربما لا تمثل داعش غير الوجه البشع الواضح في بشاعته لفكرنا جميعا الذي تخلى عن إبداعه العقلي في إنتاج مفاهيم جديدة مستنبطة من ملازمة واقعنا كما نحياه الآن، واستكان إلى اجترار ترسانة من المقولات الشرعية والأفكار الفقهية التي تساعد الذات على الاستقواء في مواجهة غرب طاغ في تقدمه العلمي والصناعي والمعرفي والعسكري. هذه العاطفة التي تجعل الذات تستكين إلى دفء العظمة التي مثلها الماضي المجيد، هي ما يجعل فكرنا محكوما بالاجترار ما دام أن كل ابتداع لن يكون غير ضلالة تتموقع خارج البنية الشرعية المكرسة تاريخيا واجتماعيا وسلوكيا. وعندما يجد هذا الفكر المجرد العاجز عن فهم الواقع الحي كل الوسائل المادية الجارفة التي تتيح له أن يهيمن بأي شكل، فلن يعلو سوى فكر السلاح المتخفي وراء كلمات التوحيد وشعارات الخلاص الإسلامي الأوحد. منذ القرن التاسع عشر والمفكر العربي يغالط نفسه وهو يعتقد أن كل تحديث يمكن تبريره من داخل الشرع، حيث تصبح الديموقراطية فريضة إسلامية كما قال العقاد، ويمكن التقريب بين الغرب المادي والشرق الروحي كما رأى محمد عبده، ولم ير هذا المثقف أبدا أنه إنما ينجز بذلك نفس المشروع السلفي القديم وهو أسلمة الحداثة عوض تحديث الإسلام. ربما كانت هناك التماعات في النهضة العربية مثلها لطفي السيد وطه حسين وفرح أنطون، لكن هذه الالتماعات كانت محكومة بنفس القدر السلفي الذي يجعل مفكرا ديكارتيا مثل طه حسين يكتب “على هامش السيرة”، ويبرر في مقدمتها لجوءه إلى ما يتجاوز العقل. وظلت مشاريع عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وأدونيس مجرد صيحات نادرا ما تم الاستماع إليها بجدية. إن مهمة المثقف اليوم، وهو يواجه المد الوهابي الإرهابي الداعشي، لا يمكن إلا أن تكون مهمة نقدية تقطع مع حبل السرة الذي يربطنا دائما إلى “أمس أزلي” ربما يرخي حبل تحكمه في فكرنا، ولكنه لن يتركنا نمارس حريتنا كمعطى وجودي يجعلنا نفكر وننتقد ونحلل ونتساءل دون أن نضع رقيبا أو قناعا على تفكيرنا لنتقي سطوة الفضاء العام، أو ملاحقة سطوة الدولة التي تجسد الشرع. هذه هي مهمة المثقف التي يجب أن يجهر بها في استقلال تام عن بنية الماضي وإغراء السلطة، وإلا فإننا لن نكون سوى أشباه متعلمين فقط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist