لا يتعلق الامر فيما سأخطه أدناه برفض لقرار تمديد تعليق الدراسة، للدولة حساباتها وأولوياتها، بل هو تعبير عن استغراب من فرح لا معنى له.
وأنا أطالع إعلان المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية المتعلق باستمرار تعليق الدراسة هالني حجم الفرح في تعليقات التلاميذ والتلميذات. أن يفرح التلاميذ بتعليق الدراسة قد يبدو، في الظاهر، سلوكًا عفويًا أو طفوليًا. لكن حين يتحول هذا الفرح إلى شعور جماعي، تشاركه فئات واسعة من المجتمع، فنحن لسنا أمام حالة عابرة، بل أمام عطب اجتماعي عميق يمس علاقتنا بالمدرسة، وبالمعرفة، وبفكرة المستقبل.
في المجتمعات التي تحترم التعليم، يُنظر إلى توقف الدراسة باعتباره خسارة يجب تعويضها. أما عندنا، فقد أصبح الانقطاع مناسبة للارتياح، وكأن المدرسة عبء ثقيل نتخلص منه، لا فضاءً نبنيه ونحميه. وهذا التحول الخطير لم يسقط من السماء، بل صُنع تدريجيًا. لقد تحولت المدرسة، في الوعي الجمعي، من أداة للتحرر والترقي الاجتماعي إلى مؤسسة للإجهاد واللاجدوى ومصنعا للامعنى. مدرسة تكدّس البرامج، وتُثقل كاهل التلاميذ بالفروض والامتحانات، دون أن تمنحهم معنى واضحًا لما يتعلمونه. وحين يغيب المعنى، يصبح الغياب عن المدرسة مكسبا نفسيا، حتى لو كان خسارة معرفية. غير أن المقلق أكثر، هو أن انزعاج بعض الأسر من تعليق الدراسة لا ينبع من حرصها على تعليم أبنائها، بل لأن المدرسة تقوم بوظيفة أخرى غير معلنة: الحراسة الاجتماعية. ففي ظل واقع اقتصادي ضاغط، حيث يضطر الزوجان معا للعمل ، تتحول المدرسة إلى فضاء لإيداع الأبناء وضبط زمنهم، لا إلى مشروع تربوي. وحين تُغلق المدارس، لا يُطرح سؤال: ماذا سيتعلم أبناؤنا؟ بل: من سيبقى معهم؟ ومن سيراقبهم؟ هكذا، يُختزل الزمن المدرسي في بعده الوظيفي، وتُقاس قيمة المدرسة بقدرتها على إبقاء الأطفال خارج البيت، لا على بناء عقولهم. ليس هذا اتهامًا أخلاقيًا للأسر، بقدر ما هو تشخيص لواقع اجتماعي دفع المجتمع، قسرًا، إلى استعمال المدرسة كحل ترقيعي.
أيام الحجر الصحي مثلا كانت لحظة اختبار قاسية. حينها، طفح كيل الأسر، وارتفعت المطالب بفتح المدارس، لا لأن الأبناء حُرموا من التعلّم، بل لأن وظيفة الحراسة تعطّلت. فجأة، وجد الآباء أنفسهم أمام فراغ لم يتعودوا على تدبيره، وأمام أطفال لم يتعلموا هم أيضا معنى التعلّم الذاتي. الحجر الصحي لم يكن استثناءً، بل مرآة كشفت حقيقة علاقتنا بالمدرسة. ورغم قسوة الدرس، لم تحدث المراجعة. بل اليوم، نضيف إلى الأزمة بعدًا أخطر: الاستخفاف المتزايد بالزمن المدرسي. فقد أصبح تعليق الدراسة أمرا مستسهلا، يتخذ بسرعة، ودون إحساس بالكلفة التربوية أو الرمزية. لم يعد قرارا استثنائيا تفرضه ظروف قاهرة، بل خيارا جاهزا لأسباب واهية.
أن تُعلّق الدراسة بسبب مباراة كرة قدم، مهما كانت أهميتها، مثل نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والسنغال، فذلك ليس احتفاء بالرياضة ولا دعما وطنيا، بل رسالة تربوية مدمّرة. رسالة تقول للتلميذ إن المدرسة أقل شأنًا من حدث عابر، وإن الالتزام قابل للكسر متى شاء المزاج العام.
ماذا يتعلّم التلميذ في هذه الحالة؟ يتعلّم أن الوطن يُحتفل به خارج القسم لا داخله. أن الانتماء يُقاس بالصراخ لا بالاجتهاد. وأن المدرسة آخر الأولويات. هكذا، تتراكم الانقطاعات، ويصبح الفرح بتعليق الدراسة سلوكًا منطقيًا، لا شذوذًا. فحين تُفرغ المدرسة من معناها، وتُختزل في الحراسة، ويُتلاعب بزمنها دون حرج، لا يحق لنا أن نستغرب فقدان التلاميذ الرغبة في التعلّم.
إن الفرح بتعليق الدراسة ليس خللًا أخلاقيًا عند التلميذ، بل فشل تربوي عند المجتمع. ومجتمع لا يحمي المدرسة، ولا يدافع عن رمزيتها، هو مجتمع يؤجل مواجهة مستقبله…
حين نغلق المدارس بلا تردّد… فمن الذي سيخاف على المستقبل؟
ليس مخيفًا أن يفرح التلميذ بتعليق الدراسة؛ المخيف حقًا أن يصبح هذا الفرح عاديًا، مبرَّرًا، ومقبولًا اجتماعيًا. الأخطر أن نغلق المدارس بسهولة تُغلق بها قاعة أفراح أو يُؤجَّل بها موعد ترفيهي، دون إحساس بأننا نعبث بأخطر ما نملك: زمن المعرفة. في لحظة ما، توقفت المدرسة عن أن تكون خطًا أحمر. لم يعد إغلاقها صدمة، بل خيارًا مريحًا. نُعلّق الدراسة لأسباب قاهرة وأخرى تافهة، ونبرر ذلك بطمأنينة غريبة، وكأن الزمن المدرسي فائض يمكن تعويضه متى شئنا. لكن الحقيقة المرة هي أن كل تعليق للدراسة هو خصم مباشر من مستقبل أبناء لا صوت لهم. هذا ليس دفاعًا رومانسيًا عن المدرسة، ولا هجومًا على التلاميذ أو الأسر، بل مواجهة صريحة مع مجتمع فقد الإحساس بخطورة ما يفعل. مجتمع يستعمل المدرسة حين يحتاجها، ويتخلى عنها حين تُربكه، ثم يتساءل، بكل براءة، لماذا فقد أبناؤه الرغبة في التعلّم.