المواطن المغربي… ركيزة تدبير الأزمات

أشرف بولمقوس

ما يحدث اليوم بمدينة القصر الكبير لا يمكن اختزاله في كونه تدبيرًا تقنيًا لطارئ، بل ينبغي قراءته بوصفه ملحمة وطنية تكشف عن مستوى متقدم من نضج الدولة والمجتمع معًا. نقل مدينة بسكانها، وتأمين المأوى والغذاء والغطاء، دون تسجيل أي خسائر بشرية، ليس إنجازًا عاديًا، بل نتيجة تفاعل منظم بين مؤسسات الدولة ومواطنين واعين بخطورة اللحظة وقيمة الأمن.

انطلاقًا من هذا المعطى، يمكن اعتبار ما جرى بالقصر الكبير المؤشر الثالث لقوة الدولة المغربية خلال فترة زمنية قصيرة. المؤشر الأول برز خلال احتجاجات “جيل زيد”، حين أبان المواطن المغربي عن قدرة واضحة على التمييز بين الاحتجاج المشروع والانزلاق نحو الفوضى، رافضًا أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى مدخل لتهديد الاستقرار العام. أما المؤشر الثاني تجسد في نهائي كأس إفريقيا، حيث وُضع المواطن المغربي أمام اختبار الحماس الرياضي وضغط التتويج، ومع ذلك لم تسجل أي أحداث انفلات أو خروج عن السياق، خلافًا لما شهدته دول الجوار في مباريات مماثلة أو أقل أهمية. ويأتي ما وقع في القصر الكبير ليؤكد هذا المسار. فالتفاعل الواسع للمواطنات والمواطنين مع تعليمات السلطات، والامتثال لإجراءات الإخلاء الوقائي، يعكس مستوى عالي من الثقة والوعي الجماعي. ورغم وجود حالات محدودة لا تستوعب حجم الخطر، فإنها تبقى استثناءً لا يغيّر من القاعدة العامة التي مفادها أن المواطن المغربي يستجيب حين يدرك أن الأمر يتعلق بحماية الأرواح. ويكفي على سبيل المقارنة، استحضار ما وقع في فاجعة درنة بليبيا، حيث أدى سد درنة الذي يقل عشرات المرات عن سد واد المخازن إلى مأساة إنسانية شاملة، لإدراك حجم الفارق في منطق التدبير والاستجابة.

غير أن هذه السلوكات الجماعية لا يمكن فهمها بمعزل عن تراكم سابق في تدبير الأزمات. فمن جائحة كورونا، حيث أبان المجتمع المغربي عن قدرة استثنائية على الالتزام بإجراءات قاسية حمايةً للصحة العامة، إلى زلزال الحوز، الذي كشف عن مستوى عالٍ من التضامن والانضباط والثقة في تدخل الدولة، وصولًا اليوم إلى تدبير مخاطر الفيضانات، يتضح أن المغرب راكم خبرة جماعية ومؤسساتية في التعامل مع الأزمات الطبيعية والبشرية.

هذا التراكم الإيجابي يفرض اليوم انتقالًا ضروريًا من منطق تدبير الطوارئ إلى منطق إعداد السياسات العمومية الاستباقية. فالعالم، والمغرب ضمنه، دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز هو التطرف المناخي، حيث لم تعد المخاطر محصورة في الجفاف فقط، بل باتت تشمل الفيضانات، والظواهر القصوى، وتداخل الأزمات. وهو ما يستوجب، على سبيل المثال، إعادة بناء سياسة الماء بمنظور شمولي يستحضر جميع السيناريوهات الممكنة، ويفترض التعايش المتزامن مع ندرة المياه وخطر الفيضانات في آن واحد.

وطبعا استحضار هذه المخاطر في كل ما يرتبط بالتهيئة و التعمير، في سياسة المدينة و القرية أيضا. و ذلك عبر الانتقال من منطق تدبير الفضاء الترابي كمجال مفتوح الى تدبيره كجغرافيا معقدة، و بشروط علمية دقيقة .

خلاصة القول إن ما يراكمه المغرب اليوم ليس مجرد نجاحات ظرفية، بل رأسمال وطني استثنائي قوامه وعي مجتمعي، وثقة متبادلة، وقدرة مؤسساتية على الفعل في الزمن الصعب. والتحدي الحقيقي لم يعد في إثبات هذه القدرة، بل في تحويلها إلى سياسات دائمة تضمن حماية الأرواح واستدامة الأمن والاستقرار في زمن أصبحت فيه المخاطر أكثر حدّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist