مشرع بلقصيري بين خطر الفيضانات ورهان التنمية

التحرير

سلام الحريشي

مشرع بلقصيري بين خطر الفيضانات ورهان التنمية
من التدخل الاستباقي إلى التخطيط الاستراتيجي
1. مشرع بلقصيري: مدينة وُلدت من سبو وصنعت هويتها
تقع مدينة مشرع بلقصيري في قلب منطقة الغرب، إحدى أهم المناطق الفلاحية بالمغرب، بمحاذاة وادي سبو، الذي شكّل عبر التاريخ مصدر حياة وازدهار، لكنه ظل في الآن نفسه يحمل تهديدًا دائمًا يتمثل في خطر الفيضانات.
ورغم هذه المعطيات الطبيعية الصعبة، استطاعت المدينة أن تطوّر بنيتها العمرانية والاقتصادية، إلى درجة أُطلق عليها في فترات من تاريخها لقب “باريس الصغيرة”، لما تميزت به من تنظيم حضري، وحركية اقتصادية، وتنوع ثقافي واجتماعي لافت.
2. قطب فلاحي وصناعي غذائي واعد
تُعد مشرع بلقصيري مجالًا فلاحيًا بامتياز، حيث تحتل زراعة السكر، الحوامض، الحبوب، والخضر مكانة محورية في الاقتصاد المحلي والجهوي.
غير أن التحدي المطروح اليوم لم يعد يقتصر على الإنتاج الفلاحي الخام، بل أصبح مرتبطًا بضرورة تثمين المنتوج الفلاحي عبر تطوير الصناعة الغذائية، وهو ما يستدعي:
إحداث مناطق صناعية غذائية مرتبطة مباشرة بالمنتوج الفلاحي المحلي.
تشجيع وحدات التخزين، التحويل، والتلفيف.
دعم التعاونيات والمقاولات الصغرى والمتوسطة الناشطة في هذا المجال.
3. التضامن المجتمعي والتدخل الاستباقي: نموذج يُحتذى به
شهدت المدينة مؤخرًا خطرًا حقيقيًا بسبب احتمال وقوع فيضانات، غير أن التدخل الاستباقي حال دون حدوث كارثة طبيعية محققة.
وقد تضافرت في هذا السياق جهود:
القوات المسلحة الملكية
الوقاية المدنية
الأمن الوطني
الدرك الملكي
القوات المساعدة
السلطات الجهوية في شخص السيد الوالي
السلطات الإقليمية في شخص السيد العامل
السلطة المحلية ممثلة في الباشا، القياد، وأعوان السلطة
الشركة الجهوية متعددة الخدمات
شركات النظافة وعمالها
فعاليات المجتمع المدني
كما اضطلع الإعلام المحلي والمراسلون الصحفيون بدور محوري في تغطية الأحداث وتحسيس الساكنة بضرورة الحيطة والحذر، وإخلاء المناطق المهددة، مما ساهم بشكل فعّال في حماية الأرواح والممتلكات.
4. سؤال المسؤولية: ماذا يجب فعله لتجنب الكارثة مستقبلًا؟
إن نجاح التدخل الاستباقي، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى حلول بنيوية ودائمة. ومن بين الإجراءات الأساسية المقترحة:
أولًا: مراجعة شاملة للبنية التحتية
إعادة تأهيل شبكة الوادي الحار.
تقوية وتحديث قنوات تصريف مياه الأمطار.
إزالة النقط السوداء التي تعيق الجريان الطبيعي للمياه.
ثانيًا: إدماج مخاطر الفيضانات في التخطيط الحضري
أخذ مخاطر الفيضانات بعين الاعتبار في مشروع الممر تحت أرضي الجاري إنجازه شارع الجيش الملكي .
معالجة الوضعية الحرجة بشارع طارق بن زياد، خاصة على مستوى نقطة “الغار”بحيث كان هو الممر الوحيد في المدينة ..
إنجاز دراسات هيدرولوجية وجيوتقنية دقيقة قبل إطلاق أي مشروع حضري مهيكل.
ثالثًا: اعتماد مقاربة استباقية لتدبير المخاطر الطبيعية
إعداد خطة محلية لتدبير مخاطر الفيضانات.
إشراك المجتمع المدني والساكنة في ترسيخ ثقافة الوقاية والتأهب.
5. من تدبير الخطر إلى مشروع تنموي متكامل
إن مواجهة مخاطر الفيضانات لا تمثل مجرد تحدٍ تقني، بل تشكّل مدخلًا أساسيًا لتحقيق تنمية مستدامة.
فمشرع بلقصيري تمتلك كل المؤهلات لتتحول إلى:
قطب جهوي للصناعة الغذائية بجهة الرباط–سلا–القنيطرة.
منصة جاذبة للاستثمار الأخضر والصناعة الغذائية و بعض الصناعات الاخرى خصوصا و المدينة تتوفر على خط سككي مهم و توجد بالقرب من الطريق السيار مولاي بوسلهام طنجة و مشرع بلقصيري الطريق السيار القنيطرة طنجة مما يعتر
مجالًا واعدًا لخلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمارات لفائدة الشباب.
خاتمة: نحو رؤية استراتيجية لمشرع بلقصيري
إن مشرع بلقصيري، بما تزخر به من تاريخ فلاحي عريق، وقيم تضامن أصيلة، ومؤهلات اقتصادية واعدة، في أمسّ الحاجة إلى رؤية تنموية استراتيجية تجعل من وادي سبو مصدرًا للحياة لا للخطر.
فالرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق التدخل عند الأزمات إلى منطق التخطيط الوقائي والتنمية المستدامة، بما يضمن لمدينة مشرع بلقصيري أن تظل مدينة شامخة، مزدهرة، وآمنة لأجيال الحاضر والمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist