عندما تبكي السياسة… من منصة الحزب إلى أسئلة الثقة

إدريس العمراني

في المشهد السياسي المغربي، عادت الدموع لتتصدر الواجهة من جديد، وهذه المرة من قلب مؤتمر حزبي، لا من لحظة هزيمة انتخابية أو إعفاء سياسي. فقد ظهر كل من عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، ورشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، متأثرين إلى حد البكاء خلال المؤتمر الأخير لحزب التجمع الوطني للأحرار، في مشهد اختلطت فيه العاطفة بالرسائل السياسية.
الصور انتشرت بسرعة، والتعليقات انقسمت بين من رأى لحظة إنسانية صادقة، ومن قرأها باعتبارها تعبيرًا عن ثقل المرحلة وضغط المسؤولية، بل وربما مؤشرًا على حجم التحديات التي تواجه الأغلبية الحكومية.
فالسياسة في النهاية ليست فقط تدبير ملفات وأرقام، بل أيضًا إدارة توقعات مجتمع كامل، خصوصًا في سياق اقتصادي واجتماعي صعب، حيث ترتفع كلفة المعيشة وتتزايد مطالب الفئات المتوسطة والضعيفة. وعندما تصل العاطفة إلى المنصة، فإن الرسالة تتجاوز الأشخاص لتصل إلى عمق المرحلة.
دموع السلطة… امتداد لمسار سياسي طويل
ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها الدموع إلى حدث سياسي في المغرب. فعندما ذرف عبد الإله بنكيران الدموع بعد إعفائه من تشكيل الحكومة سنة 2017، كان ذلك إعلانًا عن نهاية مرحلة سياسية كاملة بدأت مع دستور 2011. كانت دموع زعيم شعر أن ميزان القوة تحرك خارج إرادته.


وبعده بسنوات، جاء مشهد التأثر الذي ظهر على سعد الدين العثماني عقب زلزال انتخابات 2021، ليعكس قسوة السقوط الانتخابي وانتهاء تجربة حكم استمرت عقدًا من الزمن.


أما حميد شباط، فقد جسدت لحظات تأثره جانبًا آخر من السياسة المغربية: صراعات الزعامة داخل الأحزاب، حيث تكون المعارك أحيانًا أشد من مواجهة الخصوم خارج التنظيم.


وفي حالات نبيل بنعبد الله وإدريس لشكر، ارتبطت الدموع أكثر بذاكرة النضال الحزبي واستحضار القيادات التاريخية، في محاولة لربط الحاضر بماضٍ يمنح الشرعية الرمزية.


من يبكي على من؟
لكن دموع مؤتمر الأحرار تطرح سؤالًا أعمق:
هل هي دموع ضغط المسؤولية؟ أم دموع مرحلة سياسية دقيقة؟ أم محاولة لاستعادة القرب العاطفي مع المواطنين؟
في علم الاتصال السياسي، العاطفة ليست ضعفًا، بل أداة. غير أن المفارقة المغربية تكمن في أن المواطن الذي يواجه صعوبات يومية قد لا يرى في دموع السياسي سوى صورة معكوسة: من يملك القرار يتأثر، ومن يعيش النتائج يطالب بالحلول.
الخلاصة: السياسة تحتاج إلى نتائج لا إلى مناديل
دموع السياسيين قد تكون صادقة، وقد تكون تواصلية، لكنها في الحالتين مؤشر على ثقل اللحظة. غير أن الثقة العامة لا تُبنى بالعاطفة، بل بالإنجاز.
فحين تتحسن حياة الناس، لن يهتم أحد إن بكى السياسي أو ابتسم؛ لأن النجاح وحده هو اللغة التي توحد الجميع.
الرسالة الأهم:
إذا كثرت الدموع في السياسة، فذلك يعني غالبًا أن التحديات أكبر من الخطاب… وأن المرحلة تحتاج إلى قرارات بقدر ما تحتاج إلى مشاعر.

Comments 1

  1. Naima ait ibrahim says:

    تحليل عميق ومتماسك
    جوهر العلاقة بين العاطفة والسياسة في المغرب بأسلوب متوازن بعيد عن التهويل أو التبسيط. أعجبني ربطك بين اللحظة الآنية ومسار طويل من الدموع السياسية، مع طرح سؤال جوهري: هل العاطفة رسالة أم انعكاس لثقل المرحلة؟ خلاصة قوية تؤكد أن المواطن ينتظر النتائج قبل أي شيء ، طرح موفق ويستحق القراءة والتفاعل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist