القصة القصيرة جداً، جنس أدبي استطاع أن يتخذ له موضعا بين الأجناس الأدبية، وقد لاقى إقبالا كبيرًا ، واهتماما لافتا في المشهد الإبداعي المغربي، مع توالي الإصدارات . وقد بلغ الاهتمام بهذا الجنس درجة تخصيص أيام دراسية
ونشر مختارات لكتابه ضمن انطولوجيات مختصة .(1)
بيد أن هذا الجنس القصصي مازال يثير جدلا واسعا ، بين مؤيد ومعارض وأحيانا بين جاحد ومنكر لا يعترف به ، إذ لا يعدو أن يكون في نظره إلا فورانا.وموجة
ريثما تمحي
ماموقفك من هذا الشكل من الكتابة السردية ؟ و كيف ترى مستقبلها ؟
سؤالان سعينا من خلال طرحهما في هذا الاستطلاع على نخبة من القصاصين والنقاد الى تعميق النقاش حول الجنس وتداعياته من جهة و تقريب القراء والمهتمين منه أكثر.
محمد رمصيص – ناقد
إلى مستقبل مطمئن …
حققت القصة القصيرة جدا بالمغرب تداولا ومقروئية هامين لتلاتة أسباب أساسية في اعتقادي الشخصي وهي:
1-الشكل المعماري المكثف
2-اللغة الحكائية
3-المضامين المعالجة.
أما على مستوى المعمار فقد اتصفت بالتكثيف وشدة الامتلاء الشيء الذي جعل ملفوظها الموجز والمرمز يثير عدة تأويلات.وهذا يتوافق وإحدى استراتيجية الكتابة العربية القديمة’’البلاغة في الإيجاز’’.إن حجمها المكثف حتم تجنب الاستطراد وإسقاط التفاصيل وبالتالي السرعة في الإيصال والتواصل الأمر الذي يتوافق وطبيعة العصر السريعة. فالحكي المضغوط والمكثف لد رجة تقطيره عبر مصفاة دقيقة جعل منها عنصرا جماليا وليس هدفا في حد ذاته ،أقصد القوة الاقناعية للتعبير المركز الملتقط للحظة شعورية أو حدث مثير أو شخصية فارقة وهذه إحدى التمفصلات التي يمكنها اختزال حركية العالم في جمل محدودة،وكما يقال القصة القصيرة جدا ترى العالم من خلال ثقب الباب بينما القصة القصيرة تنظر له بعد أن يفتح على مصراعيه.بمعنى أن شكل فعل الكتابة محدد أساسي في خلق العالم الموازي للواقع،فضلا عن الأثر المتبقى بسببه. أما على مستوى اللغة الحكائية للقصة القصيرة جدا فقد تم شعرنتها وأضحت تكتسي نشاطا وحيوية جديدين وطلقت خمولها المعجمي المألوف.وبذلك أمست كتابتها تحمل في ثناياها نبضة شعرية قربتها من قصيدة النثر .إن جملها الحكائية أضحت بمثابة برقية سردية شديدة الوقع والتأثير.فشكل كتابتها الشذرية استبدل السرد الخطي بالحكي المفتت والمتشظي ..كتابة تراهن على الإقلاق لا الإمتاع والتسلية..كتابة بدون مقدمات في الغالب وبخاتمة مفتوحة على ما لا نهاية من الاحتمالات الدلالية. أما ملمحها الثالث والمسعف على تداولها وأقصد به المضامين المعالجة.. فقد أضحت أكتر جرأة وان كانت أحيانا تشتغل وفق جمالية المجاز لا الحقيقة فهي تمس موضوع الحرية الجنسية وتحولات القيم والعلاقة المختلة بالسلطة وصراع الأجيال وما شابه مما جعلها برقيات سردية قلقة ومقلقة ..ويبقى أن نشير على الرغم من بلورتها لهذه الملامح فالقصة القصيرة جدا لا زالت غير مكتملة الملامح أي أنها في طور التشكل بمعنى أنها مشروع قصصي يبحث عن شكله النهائي..إن اهتمام منتجيها بالمعمار الفني واللغة الحكائية فضلا عن جرأة المعالجة هو نوع من إعادة الاعتبار لشكل الكتابة الأدبية وهذه قناعة جيل أدبي جديد له أسئلته الخاصة وهواجسه الفنية وحساسية الإبداعية.إن هذا الرصد المركز لوضع القصة القصيرة جدا بالمغرب يؤشر على مستقبل مطمئن لتداولها بشكل أوسع ووقع أعمق …