القصة القصيرة جداً، جنس أدبي استطاع أن يتخذ له موضعا بين الأجناس الأدبية، وقد لاقى إقبالا كبيرًا ، واهتماما لافتا في المشهد الإبداعي المغربي، مع توالي الإصدارات . وقد بلغ الاهتمام بهذا الجنس درجة تخصيص أيام دراسية
ونشر مختارات لكتابه ضمن انطولوجيات مختصة .(1)
بيد أن هذا الجنس القصصي مازال يثير جدلا واسعا ، بين مؤيد ومعارض وأحيانا بين جاحد ومنكر لا يعترف به ، إذ لا يعدو أن يكون في نظره إلا فورانا.وموجة
ريثما تمحي
ماموقفك من هذا الشكل من الكتابة السردية ؟ و كيف ترى مستقبلها ؟
سؤالان سعينا من خلال طرحهما في هذا الاستطلاع على نخبة من القصاصين والنقاد الى تعميق النقاش حول الجنس وتداعياته من جهة و تقريب القراء والمهتمين منه أكثر
محمد اشويكة – قاص
القصة القصيرة جدا مفتوحة على آفاق الجمال
أظن أنه مهما اختلفنا حول تسمية القصة (قصيرة، قصيرة جدا، ومضة…) فنحن ندور في فلك واحد، ونشتغل على جوهر واحد: القِصَر… هذا هو الشيء الثابت غير المختلف حوله، أما ما بقي فعوارض تتأثر بالزمان والمكان ونفسية القاص و… إذا، كيف نقدم فكرة القصة في حيز نوسعه ونضيقه حسب الحاجة القصصية؟ وهل تختلف القصة القصيرة جدا من حيث التقنيات عن القصة القصيرة؟
أظن أن في كل تِكْنِيكٍ بُعْدٌ غيبي، بمعنى أن تكنيك القاص فيه كثير من الاعتقاد، وكثير من الأفكار النهائية التي غالبا ما يشحذها الناقد ويكرسها محاولا جعلها مرجعيات يقوض بها النصوص تارة ويرفع من شأنها تارة أخرى، فعوض أن يكشف عن مكامن التجديد، يكرس التقليد والتعود… والقصة القصيرة جدا ـ إن تَمَّ تداولها ـ بهذا المعنى، لا تستطيع أن ترفع رأسها إلى كبد السماء لتتجدد من الداخل، بل تنهار إلى أنفاق مظلمة تضعها داخل أقانيم يألفها القاص ويتعود عليها. إذا فالتكنوقاص، يتجاوز كل إيمان قصصي مطلق، ويوظف التقنية لحظيا في انتظار البحث عن تقنيات متجددة أخرى، فليس كل الأفكار تحكى بنفس التقنيات. إن جعل النفس طيعة لمسايرة قفزات الزمن، تجديد لأنفاس القصة القصيرة جدا… فأخطر شيء على الإبداع النكوص…
نقرأ في التجارب العالمية، سيما في أمريكا اللاتينية، قصصا قصيرة جدا زادها المغامرة، اختصرت الحكي في كلمة أو كلمتين، وجعلت أبواب التأويل مشرعة للمغامرين… القصة القصيرة مغامرة ذهنية وسردية تمارس إغراء على الكاتب خصوصا وأن الزمن الذي نعيشه قد بلغ من التعقيد ما لا ينفع معه نسق فلسفي أو باراديغم علمي للفهم… وبما أن القاص في رأيي، عاشق للمغامرة كالفيلسوف، فاللحظة القصصية فرصة وجودية لالتقاط بعض من جزيئات ذلك التعقيد وتدوينه في تضاعيف قصة قصيرة جدا… ونكون بالتالي هنا أمام شذرات فلسفية قصصية تعالج جزءا من إشكاليات الإنسان الراهن.
شخصيا، أميل إلى الشذرة القصصية للسبب الذي ذكرت آنفا، فالقاص لا يعيش اليقين كعالم الدين، ولا يتوهم الإمساك بناصية القول كالخطيب، ولا يمتلك الحل الآني كالسياسي، ولا يرى الكل مريضا كالطبيب… إنه يشتغل على المفارقات القصيرة، ويخلخل العتمات اللغوية، ويعانق أدغال القص الوحشية، ويخلق الكثافة في لحظات الفراغ ويعوضها بلحظات الامتلاء، ويخاطر في اللحظات العسيرة، يعانق النفوس الكسيرة والبرهات القلقة، يقبض على التصورات الهاربة والأزمنة المنفلتة… القصة القصيرة جدا، قنبلة إذا لم يعرف حاملها طريقة التعامل معها، يفجرها في أية لحظة، والمشكلة إن فجرها وسط الأهالي! نغامر بضرب عنصر التجديد المهم في اللحظة القصة. مثلا، كثيرة هي النصوص القصصية التي لا نكاد نعثر فيها على اللحظة القصصية داخل اللحظات الشعرية التي تكتنفها، مع العلم أن شعرية القصة تختلف عن شعرية القصيدة… مهما اجتهدنا في الحجج التي تدعم تكسير الحدود الأجناسية. إن البعض يرى أن هذا التطعيم يجدد دماء القصة القصيرة جدا، لكنه لا ينتبه إلى أنه يضيع روح الشاعر فيه ويفتت نغم القصيدة الذي هو مبني على الاستماع الدقيق لنبض الطبيعة (بمعناها الفلسفي)، وبالتالي لا يؤسس لشعرية القصة، ولا يحفظ للقصيدة جرسها، فالتجديد القصصي لا يعني التدمير الجمالي، بل صناعة الجمال… فالقصة القصيرة جدا مفتوحة على آفاق الجمال، ما دام الجمال ينبع من الذات المتأملة القلقة التي تريد القبض على لحظة باسقة من تلك اللحظات الطائشة.