يلجأ الأطفال في كثير من الأحيان إلى اللعب في الشوارع، وهو ما يعزوه البعض إلى غياب متنفسات طبيعية وملاعب قرب داخل الأحياء السكنية. فالفضاء العام أصبح الملاذ الوحيد أمام طاقة الطفولة المحاصرة داخل الشقق الضيقة والبيئات الحضرية المكتظة.
غير أن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، لا يغطي الصورة كاملة. فهناك جانب آخر يتعلق بما يمكن تسميته بـ”الاستقالة التربوية” لدى بعض الأسر، حين يصبح إخراج الطفل إلى الشارع حلًا سهلاً لتفادي الضجيج المنزلي أو لتخفيف عبء المتابعة اليومية، دون وعي كامل بما قد يترتب عن ذلك من آثار تربوية واجتماعية.
إن “ملعب الشارع” لا يمثل مجرد فضاء بريئًا للعب، بل هو مجال اجتماعي غير مؤطر، يفتقر في الغالب إلى الحد الأدنى من الرقابة التربوية. وفي هذا السياق المفتوح، يصبح الطفل عرضة لاكتساب سلوكيات غير مرغوبة، أو لتلقي ألفاظ وتصرفات قد تؤثر سلبًا في مساره التكويني وفي عملية التنشئة الاجتماعية السليمة.
وليس الجانب السلوكي وحده ما يثير القلق، بل يمتد الأمر إلى البعد الأمني. فالتواجد غير المراقب للأطفال في فضاءات عمومية غير مهيأة يعرضهم لهشاشة أمنية، ويجعلهم أكثر عرضة لمخاطر متعددة، سواء كانت حوادث، احتكاكات خطرة، محاولات اختطاف أو استغلال من قبل الغرباء، في بيئات غالبًا ما تفتقر إلى شروط السلامة واليقظة المجتمعية.
من منظور قانوني وتربوي، لا يمكن فصل حق الطفل في اللعب عن حقه في الحماية. فالطفولة، باعتبارها مرحلة تأسيسية في بناء الشخصية، تحتاج إلى فضاءات آمنة ومؤطرة تسمح بتفريغ الطاقة الجسدية والنفسية دون تعريض الطفل لمخاطر مادية أو سلوكية.
وبناءً على ذلك، يتطلب التعامل مع هذه القضية قدرًا من المسؤولية المشتركة. فإخراج الطفل إلى الشارع لا ينبغي أن يُختزل في نشاط ترفيهي عابر، إذ يمثل في كثير من الحالات انتقالًا من بيئة رعاية محمية إلى فضاء اجتماعي غير منظم، قد يحمل في طياته مؤثرات سلبية تتجاوز لحظة اللعب العابرة.
وعلى غرار اشتراط القانون توفر الأهلية لمباشرة الحقوق والالتزامات المدنية، تبقى مسؤولية تربية الأطفال وظيفة اجتماعية وتربوية جسيمة. ومن ثم يظل التساؤل قائمًا: إذا كان القانون يشترط الأهلية لمباشرة التصرفات المدنية، فهل يكفي توفر الأهلية القانونية للزواج لضمان الأهلية التربوية لتحمل مسؤولية تنشئة الأطفال؟
يتبع..