في لحظات معينة من عمر الأفكار السياسية يحدث أن يبقى الاسم بينما يتراجع المعنى ويبدو أن هذا ما يعيشه جزء من المشهد الذي ما زال يرفع عنوان اليسار.
فالفكر الذي ولد تاريخيا من رحم النضال الاجتماعي ومن الدفاع عن العدالة والكرامة والمساواة تحول عند البعض إلى مجرد علامة انتخابية تستحضر كلما اقتربت المواعيد السياسية ثم تطوى صفحتها إلى حين.
المفارقة أن الفضاءات التي يفترض أن تكون حاضنة للنقاش اليساري العميق أصبحت في كثير من الأحيان أقرب إلى منصات لإعادة ترتيب المواقع أكثر منها فضاءات لصياغة الرؤى. ترفع فيها عناوين كبرى عن الوحدة والتقارب لكن ما يغيب في الخلفية هو النقاش الحقيقي حول المشروع المجتمعي وحول موقع اليسار من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها البلد.
الأكثر إرباكا أن بعض من يتحركون داخل هذه الفضاءات لا تربطهم بالفكر اليساري إلا التسمية. فالممارسة السياسية اليومية واللغة المستعملة في الخطاب وحتى منظومة القيم التي تحكم السلوك السياسي تبدو بعيدة عن تقاليد اليسار النقدية والاجتماعية. بل إن المتأمل أحيانا يكتشف مفارقة لافتة “حضور اسم اليسار في الخطاب مقابل غياب شبه كامل لمرتكزاته في الممارسة”.
وحين تختلط البوصلة يصبح البحث عن موقع في الخريطة الانتخابية هو المحدد الأول للحركة السياسية. عندها يتراجع النقاش الفكري أمام حسابات المقاعد وتتحول الفكرة إلى مجرد مظلة ظرفية تؤوي طموحات انتخابية أكثر مما تحتضن مشروعا مجتمعيا واضح المعالم.
في هذا السياق يتشكل نوع من الحضور السياسي الهلامي “ضجيج كبير في الفضاء الرقمي وامتلاء لافت في منصات التواصل الاجتماعي “مقابل فراغ واضح في الخطاب السياسي الجاد والعمل الميداني القادر على استعادة الثقة. وهكذا تتحول السياسة إلى صورة عابرة أو تصريح سريع بينما يغيب النقاش العميق الذي كان يوما أحد أعمدة الثقافة اليسارية.
غير أن تاريخ الأفكار السياسية يعلمنا أن الأسماء وحدها لا تصنع الاستمرار. فالفكر اليساري حين يكون حقيقيا لا يعيش في الشعارات ولا في لحظات الاصطفاف الظرفي بل في قدرته على قراءة المجتمع والانحياز لقضاياه وفي شجاعته على طرح الأسئلة الصعبة حتى عندما تكون غير مريحة.
لهذا فإن التحدي اليوم لا يتعلق بتجميع المنصات أو توحيد الصور الجماعية بل باستعادة المعنى الأول للفكرة. فاليسار لم يكن يوما مجرد تقنية انتخابية أو موقع داخل الخريطة الحزبية بل كان قبل كل شيء رؤية أخلاقية وسياسية للعدالة والإنصاف. وحين تضيع هذه الرؤية يبقى الاسم معلقا في الهواء بينما تواصل الفكرة الحقيقية البحث عن من يحملها بصدق.
Comments 2
إلى القائمين على هذه المنصحة الإلكترونية أن يتحققوا من النصوص المُولّدة بالذكاء الاصطناعي. هذه المقالة 95 بالمائة منها مُولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
إلى القائمين على هذه المنصة لماذا لم تنشروا تعليقي؟ المهنية تقتضي السماع إلى الرأي و الرأي الآخر. هذه ليست مهنية أبدا