تقديم:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم نحوالاقتصاد الاخضر من اجل كوكب اقل تلوثا ، تعتبر المعادن الاستراتيجية كأحد الركائز الأساسية لإعادة بناء موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية في سياق الانتقال الطاقي العالمي نحو مصادرطاقية نظيفة ومستدامة. وملقد ساهم ارتفاع الطلب المتزايد على التكنولوجيات الخضراءو الطاقات المتجددة والسيارات الكهربائية والتخزين الطاقي، إلى رفع منسوب الأهمية الاستراتيجية للمعادن الاستراتيجية البديلة كالعناصر الأرضية النادرة والمعادن المرتبطة بها. وهكذا تحول التحكم في سلاسل توريد هذه الموارد من مجرد قضية اقتصادية، الى رهان سيادي يحدد موقع الدول ضمن خريطة النفوذ والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق يعرف العالم فورة صناعية جديدة اوما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة ، تتدافع الدول العظمى وعلى راسها الصين وامريكا لتأمين مصادر مستقرة ومتنوعة لهذه المعادن الاستراتيجية، سواء عبر الاستثمار في الاستكشاف أو عبرارساء شراكات دولية متعددة الأطراف. ويُجسد تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر التعدين الدولي بالرياض والاجتماعات الوزارية حول المعادن الاستراتيجية بواشنطن، هذا الوعي العالمي المتزايد بأهمية هذه الموارد في تحقيق الأمن الطاقي وضمان استدامة التحول الصناعي والتكنولوجي. كما تعكس هذه الدينامية توجهاً نحو إعادة هيكلة سلاسل القيمة العالمية للمعادن، بما يضمن تقليل الاعتماد على مصادر محدودة وتعزيز المرونة الاقتصادية.
ضمن هذا السياق الدولي، يبرز المغرب كفاعل صاعد في مجال المعادن الاستراتيجية، مستفيداً من موقعه الجغرافي وتنوعه الجيولوجي الغني، إضافة إلى استقراره السياسي وانخراطه في شراكات دولية متعددة. فبفضل احتياطاته المهمة من الفوسفاط، وما يرتبط بها من عناصر استراتيجية، إلى جانب الإمكانات الواعدة في مجال العناصر الأرضية النادرة والمعادن البحرية، يرسخ المغرب موقعه ضمن الدول المؤهلة للعب دور محوري مستقبلا في سلاسل التوريد العالمية. كما يعكس حضوره الفاعل في المحافل الدولية وحرصه على تطوير قطاعه المعدني في إطار الاستدامة ومشروعه الطموح للانتقال الطاقي والتطلع التدريجي لولوج ابواب الثورة الصناعية الرابعة ، وتملكه وعياً استراتيجياً بأهمية هذه الموارد في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز مكانته الجيوسياسية في عالم يتجه بشكل متسارع نحو اقتصاد أخضر.
السياق الدولي ودور المعادن الاستراتيجية في مجال الانتقال الطاقي والاقتصاد الاخضر
شاركت المملكة المغربية بوفد رفيع ترأسته السيدة ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وبحضور السيد مصطفى المنصوري، سفير المملكة المغربية بالرياض، بفعاليات النسخة الثالثة من “مؤتمر التعدين الدولي” في الفترة الممتدة من 9 إلى 11 يناير 2024، بالعاصمة الرياض بالمملكة العربية السعودية. وشهد المؤتمر في نسخته الحالية مشاركة سمو الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وزير الطاقة والسيد بندر بن إبراهيم الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية بالمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى حضور وفود مجموعة من الفاعلين المعنيين بشؤون القطاع.
ونظرا للدور الهام الذي تلعبه الصناعة المعدنية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلدان العربية، شاركت السيدة الوزيرة ايضا في أشغال الاجتماع التشاوري الذي عقد على تزامنا مع انعقاد فعاليات “مؤتمر التعدين الدولي”، التاسع للوزراء العرب المعنيين بالثروة المعدنية. و الذي شكل مناسبة لتبادل الرأي وتدارس القضايا ذات الاهتمام المشترك لتأمين تنمية مستدامة للقطاع المعدني بالأقطار العربية. وقد خصص هذا الاجتماع أيضا للاطلاق الرسمي للمنصة العربية لمعادن المستقبل. واستهدفت النسخة الثالثة من هذا المؤتمر بحث السبل الكفيلة بتطوير التعاون في مجال المعادن في المنطقة الناشئة التي تمتد من إفريقيا إلى غرب ووسط آسيا، من خلال جذب الاستثمارات المباشرة إليها في سلسلة القيمة المعدنية بأكملها، ودعوة الدول المنتجة للمعادن من جميع أنحاء العالم والعملاء وموردي التكنولوجيا للانضمام للحوار وبناء علاقات شراكة كفيلة لإبراز أهمية المعادن وأدوارها المستقبلية في تنمية المجتمعات. كما حظي موضوع المعادن الاستراتيجية بأهمية كبرى نظرا للدور الذي تلعبه في مجال الانتقال الطاقي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما عقد مباشرة في الشهر الموالي فبراير 2026 اجتماعا وزاريا حول المعادن الاستراتيجية وهو كقطاع محوري في التوازنات الاقتصادية والجيوستراتيجية العالمية.، والذي نظمته وزارة الخارجية الأمريكية، في العاصمة واشنطن ومثل المغرب وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، ناصر بوريطة .وقد نظم هذا الاجتماع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بهدف دراسة سبل تأمين وتنويع سلاسل الإمداد بالمعادن الحيوية، التي تعتبر ضرورية بشكل خاص لصناعات التحول الطاقي والتكنولوجيات المتقدمة والدفاع. ويعتبر حضور المغرب منطقي ومبرر، نظرا للأهمية المتزايدة، الحالية والمستقبلية، للمغرب في سلاسل توريد هذه المعادن. فالمغرب، يستحوذ لوحده على نحو 70٪ من الاحتياطي العالمي للفوسفات، وهذا الفوسفات يحتوي بدوره على ما يقارب 60٪ من الاحتياطي العالمي من اليورانيوم. كما تضم سواحله البحرية الجنوبية مخزونات ضخمة جدًا من المعادن الاستراتيجية النادرة، خصوصا في موقع جبل التروبيك البحري، وخصوصا الكوبالت، والتيليريوم، والباريوم، والفاناديوم. إضافة إلى ذلك، شهدت السنوات الثلاث الأخيرة الإعلان عن اكتشافات أخرى مهمة تهم معادن الذهب والنحاس والنيكل، وسنتطرق الى المعطيات بالتفصيل اللازم في ما يلي وهو ما يجعل من المغرب لاعبا مستقبليا وازنا ورئيسيا في سوق المعادن العالمية.
(يتبــع)