لم يعد السؤال حول موقع المرأة في البحث العلمي سؤالًا توصيفيًا يُعنى بقياس نسب الحضور أو تمثيلية المشاركة، بل تحول إلى إشكال بنيوي يرتبط بإعادة توزيع مراكز القوة داخل اقتصاد المعرفة. فمع تسارع التحولات الرقمية، لم تعد المعرفة مجرد إنتاج أكاديمي محايد، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا يخضع لمنطق التأثير، والتوجيه، بل وحتى الضبط.
في هذا السياق، يطرح انعقاد المؤتمر الدولي العلمي المحكم الثالث عشر بمدينة تطوان، الموسوم ب “المرأة العالمية والبحث العلمي: أدوار ريادية وتحديات مستقبلية في ظل التحولات الرقمية”، تحت شعار: تطوان عاصمة الثقافة والعلوم بامتياز، يومي 28 و29 مارس 2026، أكثر من مجرد مناسبة علمية؛ إنه يعكس لحظة تحول في تموقع المرأة الباحثة داخل الحقل المعرفي، من فاعل تابع إلى فاعل مؤثر في صياغة قواعد اللعبة نفسها.
لقد أظهرت النقاشات العلمية أن الإشكال لم يعد في إدماج المرأة داخل منظومة البحث، بل في مدى قدرتها على التأثير في هندسة هذه المنظومة، سواء على مستوى إنتاج المعرفة أو على مستوى تأطيرها قانونيًا وأخلاقيًا. فالعصر الرقمي لا يعترف فقط بمن ينتج المعرفة، بل بمن يمتلك القدرة على توجيهها، تقنينها، وإدماجها ضمن ديناميات الاقتصاد الرقمي.
ومن هنا، يصبح الحديث عن “تمكين المرأة” في صيغته التقليدية قاصرًا، بل ومُضللًا أحيانًا، لأنه يختزل الإشكال في بعده الاجتماعي، متجاهلًا أبعاده البنيوية المرتبطة بتوزيع السلطة المعرفية. فالمطلوب اليوم ليس فقط تمكينًا شكليًا، بل إعادة تموقع حقيقي للباحثة داخل سلاسل إنتاج القيمة المعرفية، بما يجعلها فاعلًا في صياغة السياسات البحثية، وليس مجرد منفذة لها.
كباحثة في القانون الاقتصادي، تفتح هذه التحولات مجالًا لإعادة التفكير في إشكالية التقنين القانوني للفضاء الرقمي، خاصة في ظل الفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الاستجابة التشريعية. فالسؤال لم يعد فقط: كيف نؤطر الرقمنة قانونيًا؟ بل: من يملك سلطة اقتراح هذا التأطير؟ ومن يحدد معاييره وحدوده؟
في هذا المستوى تحديدًا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المرأة الباحثة، ليس فقط كمساهمة في إثراء النقاش، بل كفاعل أساسي في إنتاج القواعد المنظمة للاقتصاد الرقمي، بما يضمن تحقيق الأمن القانوني والنجاعة الاقتصادية، دون الإخلال بالبعد القيمي للمجتمع. وهو ما ينسجم مع التوجهات التي أفرزها المؤتمر، والتي دعت إلى دعم الكفاءات النسائية وتعزيز التأهيل الرقمي المستدام كمدخل لإعادة هيكلة الرأسمال البشري العلمي، مع الحرص على التوازن بين الكفاءة الرقمية والبعد القيمي والتربوي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج التوصيات، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية وممارسات مؤسساتية، قادرة على إعادة تشكيل العلاقة بين المعرفة والسلطة داخل الفضاء الرقمي. وهنا يبرز مفهوم “الأمن القيمي” ليس كشعار أخلاقي، بل كآلية تنظيمية لضبط التفاعل داخل الاقتصاد الرقمي، بما يضمن توازنًا بين حرية الابتكار ومتطلبات المسؤولية.
إن ما كشف عنه هذا الحدث العلمي ليس مجرد حضور نوعي للمرأة داخل الفضاء الأكاديمي، بل بداية تحول أعمق يمس بنية النظام المعرفي ذاته؛ تحول ينقل المرأة الباحثة من موقع التلقي إلى موقع التأثير، ومن هامش النقاش إلى مركز صناعة القرار المعرفي.
وفي ضوء ذلك، لم يعد السؤال: هل تشارك المرأة في البحث العلمي؟ بل أصبح: إلى أي حد تساهم في إعادة هندسة قواعده، وتوجيه مساراته داخل اقتصاد رقمي يتشكل بسرعة تفوق قدرة النماذج التقليدية على استيعابه؟
أم أننا بصدد تشكل مرحلة جديدة، تتجاوز منطق المشاركة نحو منطق القيادة المعرفية، بما يعيد رسم حدود العلاقة بين المعرفة والسلطة في العصر الرقمي؟
عين الباحثة | مونة الحداد
بـ #عين_الباحثة، نواصل في الجزء القادم قراءتنا التحليلية لهذا التحول، من منطق المشاركة إلى أفق القيادة المعرفية في زمن الرقمنة…


