في خضم الحراك السياسي الذي يسبق الاستحقاقات البرلمانية المقبلة يحتدم النقاش داخل الأحزاب حول التزكيات وتشتد المنافسة حول المواقع “الحاسمة” في اللوائح العامة. غير أن ما يثير الانتباه ويبعث على القلق هو هذا الصمت شبه التام حول اللوائح الجهوية للنساء وكأنها خارج دائرة الصراع السياسي أو لا تستحق أن تكون موضوع تنافس أو رهانات.
ففي الوقت الذي تعتبر فيه اللوائح العامة مجالا للصراع الحقيقي على التمثيلية والقرار تعامل اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء كفضاء ثانوي أو كآلية تقنية لملء فراغ قانوني لا كرافعة سياسية لتكريس مبدأ المساواة. هذا التمييز غير المعلن يعكس في العمق نظرة دونية لدور النساء داخل الحقل السياسي حيث ينظر إليهن كـ”إضافة مفروضة” لا كفاعلات أساسيات في صناعة القرار.
إن هذا المنطق لا يقف عند حدود تهميش اللوائح الجهوية بل يمتد إلى إقصاء غير مباشر للنساء من اللوائح العامة نفسها التي ما تزال تعتبر في كثير من الأحيان مجالا محتكر للرجال. وكأن التنافس السياسي الحقيقي لا يتاح إلا لهم بينما يدفع بالنساء نحو مواقع منزوية سياسيا لا تتيح لهن نفس هامش الفعل والتأثير.
إن اختزال حضور النساء في لوائح خاصة دون تمكينهن من التنافس على قدم المساواة داخل اللوائح العامة لا يعكس إرادة حقيقية لتحقيق المناصفة بل يعيد إنتاج نفس البنية الذكورية داخل الأحزاب ويفرغ المقتضيات الدستورية من مضمونها. فالمناصفة ليست مجرد أرقام تستوفى بل هي إعادة توزيع حقيقي للسلطة والفرص.
كما أن التعامل مع تمثيلية النساء باعتبارها فقط استجابة لإكراه قانوني وليس قناعة سياسية يكشف عن أزمة أعمق في الثقافة الحزبية حيث لا يزال حضور النساء يقاس بمنطق “الاستثناء” لا “الاستحقاق”. وهذا ما يفسر غياب أي نقاش جدي حول موقع النساء في اللوائح العامة مقابل صمت مريب حول اللوائح الجهوية وكأنها خارج المعادلة.
اليوم لم يعد الرهان هو فقط ضمان حضور النساء داخل البرلمان بل ضمان حضورهن الفعلي داخل مراكز القرار وفي صلب التنافس السياسي. لأن الديمقراطية لا تقاس بعدد النساء في المؤسسات بل بمدى تمكينهن من نفس شروط التنافس والتأثير.
إن استمرار هذا الوضع يعني شيئا واحدا: أن المناصفة ما تزال مؤجلة، وأن الطريق نحو مساواة فعلية يمر أولاً عبر تفكيك هذه التراتبية الصامتة بين اللوائح وبين الفاعلين داخلها.