مقدمة:
تحتل الأندلس موقعا مركزيا في الذاكرة التاريخية الإسبانية، ليس فقط باعتبارها مرحلة زمنية امتدت قرونا وشهدت تداخلا حضاريا فريدا، بل بوصفها تجربة تاريخية مركبة أسهمت بعمق في تشكل الوعي الثقافي والهوية الرمزية لإسبانيا الحديثة، فقد شكلت الأندلس، بما راكمته من إرث علمي وفني وديني ولغوي، نقطة تماس بين حضارات متعددة، الأمر الذي جعلها حاضرة باستمرار في الخطاب الثقافي الإسباني، خاصة في الأدب، بوصفه أحد أهم الفضاءات المنتجة للذاكرة والمعنى.

– إعداد: ذ. عبد السلام بوعسل
- أستاذ العلوم الاقتصادية والتدبير
- أستاذ زائر بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي
- طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بأكادير
وقد انعكس هذا الحضور الأندلسي بوضوح في الأدب الإسباني، حيث تحولت الأندلس إلى فضاء للتخيل الأدبي، وإلى مرجع تاريخي يستدعى لإعادة بناء الماضي أو مساءلته، وإلى رمز ثقافي تسقط عليه تصورات مختلفة حول الهوية، والانتماء، والعلاقة بالآخر، ففي بعض الأعمال الأدبية، تقدم الأندلس بوصفها عصرا ذهبيا للتعايش والتنوع، بينما تصوَر في أعمال أخرى باعتبارها مرحلة ملتبسة أو تهديدا رمزيا للهوية القومية المسيحية، وهو ما يكشف عن تعدد التمثلات وتناقضها تبعا للسياقات التاريخية والإيديولوجية التي أُنتجت فيها هذه النصوص.
ومن ثم، فإن مقاربة الأندلس في تصورها من طرف الأدب الإسباني لا يمكن أن تظل حبيسة القراءة التاريخية أو الجمالية البحتة، بل تقتضي تحليلا مزدوجا يراعي، من جهة أولى، الأندلس باعتبارها ذاكرة تاريخية جماعية، تتقاطع فيها الوقائع مع آليات التذكر والنسيان والانتقاء، ومن جهة ثانية، بوصفها تمثلا ثقافيا وإيديولوجيا يخضع لمنطق الخطاب ولرهانات السلطة والهوية، فالأدب في هذا السياق، لا يعكس الماضي كما كان، بل يعيد إنتاجه وفق حاجات الحاضر وأسئلته، مما يجعل تمثل الأندلس جزءا من صراع رمزي حول تعريف الذات الإسبانية وحدودها الثقافية.
وانطلاقا من ذلك، تتساءل هذه الدراسة حول كيف مثل الأدب الإسباني الأندلس، وإلى أي حد أسهمت هذه التمثلات في إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية وبناء تصورات مخصوصة للهوية والآخر؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية من قبيل: ما طبيعة الصور الأدبية التي صاغها الأدباء الإسبان عن الأندلس؟ وما الخلفيات الإيديولوجية والتاريخية التي وجهت هذه الصور؟ وكيف تختلف هذه التمثلات باختلاف العصور والتيارات الأدبية؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة على جملة من مناهج البحث المتكاملة؛ إذ يتم توظيف المنهج التحليلي لفحص النصوص الأدبية والكشف عن بنياتها الدلالية والرمزية، والمنهج التاريخي لربط هذه التمثلات بسياقاتها الزمنية والسياسية، فضلا عن المنهج الثقافي الذي يتيح فهم الأندلس بوصفها تمثلا وخطابا داخل منظومة الذاكرة الجماعية، كما يستأنس بمقاربات دراسات ما بعد الكولونيالية لتحليل علاقات القوة وصور الآخر، بما يسمح بقراءة نقدية تتجاوز السرديات التقليدية نحو تفكيك آليات إنتاج المعنى والهوية في الأدب الإسباني.
وللتفصيل في هذا الموضوع نقسمه إلى مبحثين اثنين: حيث نلامس في المبحث الأول الأندلس باعتبارها ذاكرة تاريخية في الأدب الإسباني، وفي المبحث الثاني تمثلات الهوية الثقافية من خلال صورة الأندلس.
المبحث الأول: الأندلس باعتبارها ذاكرة تاريخية في الأدب الإسباني
تحتل الأندلس مكانة متميزة في الذاكرة التاريخية الإسبانية، فهي ليست مجرد فترة زمنية امتدت قرونًا، بل تجربة حضارية أثرت بعمق في تكوين الهوية الثقافية لإسبانيا. وقد انعكس هذا الحضور بشكل واضح في الأدب الإسباني، الذي جعل من الأندلس فضاء للتخييل وإعادة قراءة الماضي، بين ما هو موثق تاريخيا وما هو مشكل أدبيا ورمزيا. كما تجسّد الأندلس في النصوص الأدبية بوصفها ذاكرة صراعية، تعكس التوترات بين الذات والآخر، والحكاية الوطنية والتاريخ الجماعي. ومن هنا تبرز أهمية دراسة الأندلس في الأدب الإسباني من منظور مزدوج يجمع بين التوثيق التاريخي والتمثّل الثقافي.
وقد ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، ننقش في الأول استحضار الأندلس بين التوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، وفي الثاني الأندلس كذاكرة صراعية في الخطاب الأدبي الإسباني.
المطلب الأول: استحضار الأندلس بين التوثيق التاريخي والتخييل الأدبي
إن استحضار الأندلس في الأدب الإسباني يشكل تقاطعا بين التوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، حيث يستدعى الماضي لتأطير الحاضر وإعادة بناء الهوية الثقافية. فالأدب هنا لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يضيف بعدا رمزيا يمكن من تصور الأندلس كفضاء حضاري متميز. ويهدف هذا المطلب إلى تحليل العلاقة بين الرواية التاريخية والإبداع الأدبي في تمثّل الأندلس داخل الخطاب الإسباني، من خلال مقاربة الأندلس بين التاريخ والسرد الأدبي في الفقرة الأولى، والتخييل بوصفه أداة لإعادة تشكيل الذاكرة في الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: الأندلس بين التاريخ والسرد الأدبي
اعتمد الأدب الإسباني، خاصة في مراحله الأولى بعد سقوط غرناطة سنة 1492، على إعادة سرد أحداث الأندلس ضمن قوالب تجمع بين الوقائع التاريخية والتخييل الأدبي. فقد ظهرت نصوص كرونولوجية وقصصية تستحضر المعارك، وسقوط المدن، وشخصيات الحكام المسلمين، ولكن من منظور أدبي يخضع لمنطق السرد أكثر من التزامه بالدقة التاريخية.
أولا: الأندلس كحقيقة تاريخية
تمثل الأندلس مرحلة مركزية في التاريخ الإسباني، إذ امتدت من القرن الثامن حتى القرن الخامس عشر، وشهدت تفاعلًا بين الحضارات العربية، المسيحية، واليهودية، ما أسهم في نشوء فضاء حضاري متمايز. وقد أبرز المؤرخون الإسبان هذه المرحلة بوصفها تجربة اجتماعية وثقافية معقدة، تحمل دلالات سياسية ودينية متنوعة. كما يؤكد الباحث خوسيه مانويل غونزاليس أن الأندلس كانت ملتقى حضارات، ومنبعا للعلوم والفنون، ومرآة لتلاقي الثقافات في العصور الوسطى.
وتبرز المصادر التاريخية، مثل كتاب تاريخ الأندلس لمؤرخها لورينزو دي مادريد، التوازن الدقيق بين السرد الوقائعي والتحليل الاجتماعي والسياسي، مما يتيح فهم الأحداث في سياقها التاريخي، بعيدا عن الجزيء أو التمثيل الرمزي المبسط، ومن هذا المنطلق، ينظر إلى التوثيق التاريخي على أنه الأساس الذي ينبني عليه أي تمثل أدبي للأندلس، إذ يوفر المعطيات الواقعية ويحدد إطار الأحداث والشخصيات، ليصبح المرجع الذي يستدعى عند السرد الأدبي أو إعادة بناء الماضي في النصوص الأدبية.
فقد أكد الباحث في التاريخ الإسباني خوسيه مانويل غونزاليس أن التأثر بالهوية الأندلسية لا متناه في الثقافة الإسبانية، مشيرا إلى أن السلام الوطني الإسباني أندلسي الأصل، لافتا إلى أن تتبع البحث من قبل الإسبان عن الأصل الإسلامي في حياتهم بات متزايدا بشكل ملحوظ، فيما يؤكد المؤرخ الإسباني والباحث والمنسق لمركز الدراسات الإسلامية بمدريد دانييل خيل على أن مدريد لديها تاريخ إسلامي يبلغ 750 سنة، ويمكن القول إن هذه الفترة من التراث الإسلامي المخفي، ومن غرناطة، يشير رافئيل غوردو مدير السواقي في المناطق المحيطة بنهر موناتشيل في المدينة، إلى وجود أكثر من 500 منطقة تستخدم شبكة أنظمة قنوات ري مركزي تعود للعصر العربي منذ أكثر من ألف عام.
ثانيا: الأندلس في السرد الأدبي
على الرغم من أهمية المصادر التاريخية، فإن الأدب الإسباني أعاد إنتاج الأندلس في شكل سردي يمزج الوقائع التاريخية بالتخييل الفني، فقد وظف الكتاب الإسبان شخصيات وأحداثا حقيقية لتشكيل فضاء رمزي يسمح بالتأمل في الهوية الوطنية وعلاقات القوة بين الذات والآخر، ويشير النقاد إلى أن الأدب الإسباني لا يكتفي بتوثيق الأندلس كما كانت، بل يعيد صياغتها كرمز للتعددية، للصراع، وللحنين إلى الماضي،
من أبرز الأمثلة على ذلك روايات واشنطن إيرفينغ، التي تعكس جانبا أسطوريا للأندلس وتحول التاريخ إلى مادة سردية تثير الخيال، مع المحافظة على بعض العناصر الواقعية، كما يظهر شعراء مثل لويس دي غونغورا وفريديريكو غارسيا لوركا اهتمامهم بالأندلس كرمز حضاري واجتماعي، حيث تستدعى الصور التاريخية لتثوير الخيال الأدبي وإنتاج رؤى نقدية أو تأملية عن الماضي.
ومن هذا التلاقي بين التاريخ والسرد الأدبي يستنتج أن تمثل الأندلس في الأدب الإسباني يقوم على محاكاة الواقع التاريخي وتجاوزه في الوقت ذاته، بما يسمح بإنتاج ذاكرة جماعية تجمع بين الحقائق التاريخية والإبداع الفني، وهو ما يجعل دراسة هذه الظاهرة ضرورة لفهم العلاقة بين الأدب والتاريخ والهوية الثقافية الإسبانية.
الفقرة الثانية: التخييل بوصفه أداة لإعادة تشكيل الذاكرة
لم يكن التخييل الأدبي مجرد وسيلة فنية، بل أداة لإعادة تشكيل الذاكرة التاريخية للأندلس، حيث جرى أحيانا تضخيم بعض الأحداث أو تهميش أخرى بما يخدم سردية الاسترداد، وقد ساهم هذا التخييل في إنتاج صورة أدبية للأندلس تتراوح بين الفقد والتهديد، وبين الإعجاب الضمني بالإنجاز الحضاري.
أولا: التخييل وإعادة بناء الذاكرة التاريخية
يشكل التخييل الأدبي إحدى الآليات الأساسية التي يعاد من خلالها بناء الذاكرة التاريخية للأندلس داخل الأدب الإسباني، إذ يسمح بتحرير الماضي من الجمود الوقائعي وإدخاله في أفق التأويل الرمزي، فالسرد التخيلي لا ينقل الأحداث كما وقعت، بل يعيد ترتيبها وانتقاء عناصرها بما يخدم رؤية الكاتب وسياقه الثقافي، وفي هذا الإطار، يؤكد بول ريكور أن السرد يمنح الذاكرة بنية قابلة للفهم، ويجعل من الماضي موضوعا لإعادة التأويل بدل استعادته الحرفية، ومن ثم يصبح التخييل وسيلة لإضفاء المعنى على التجربة الأندلسية، عبر إعادة تركيبها داخل خطاب أدبي يتجاوز حدود التوثيق التاريخي.
كما يتيح التخييل إعادة إحياء شخصيات وأمكنة أندلسية داخل فضاء رمزي، يجعلها قابلة للتداول في الذاكرة الجماعية المعاصرة، فالأدب لا يكتفي باستدعاء الأندلس كوقائع منقضية، بل يحولها إلى ذاكرة سردية حية، تستثمر في النقاشات المتعلقة بالهوية والانتماء والتعدد الثقافي، وتشير ماريا تيريسا مارتينيز إلى أن الأندلس في النصوص الأدبية الإسبانية ليست حدثا تاريخيا منتهيا، بل بناء تخييلي يعاد تشكيله وفق تحولات الوعي الجماعي.
ثانيا: التخييل بين الرمز والإيديولوجيا في تمثل الأندلس
يتجاوز التخييل دوره التأويلي ليصبح أداة إيديولوجية تسهم في توجيه تمثلات الأندلس داخل الخطاب الأدبي الإسباني، فاختيار زوايا السرد ونوعية الشخصيات وطبيعة الرموز المستعملة، كلها عناصر تعكس موقفا ضمنيا من الماضي الأندلسي، سواء من خلال تمجيده أو مساءلته أو إعادة تأطيره داخل سردية قومية محددة، ويؤكد يان أسمان أن الذاكرة الثقافية تبنى عبر النصوص والرموز التي تمنح الماضي شرعيته داخل الحاضر، وهو ما يفسر توظيف الأندلس كرمز للصراع أو التعايش، تبعا للسياق الإيديولوجي للنص.
وتتجلى هذه الوظيفة الإيديولوجية للتخييل في أعمال أدبية جعلت من الأندلس فضاء أسطوريا أو مأساويا، كما هو الحال في كتابات واشنطن إيرفينغ التي كرست صورة رومانسية للأندلس، وأسهمت في إعادة تشكيلها داخل المخيال الغربي. وفي المقابل، يستثمر فريديريكو غارسيا لوركا الذاكرة الأندلسية توظيفا شعريا مأساويا، حيث تتحول الأندلس إلى رمز للفقد والاغتراب والهوية الممزقة، لا إلى مجرد مرجع تاريخي، وبذلك، يغدو التخييل أداة مركزية لإنتاج ذاكرة متنازَع حولها، تتقاطع فيها الجمالية الأدبية مع الرهانات الثقافية والإيديولوجية.
المطلب الثاني: الأندلس كذاكرة صراعية في الخطاب الأدبي الإسباني
تستحضر الأندلس في الخطاب الأدبي الإسباني بوصفها ذاكرة صراعية تتقاطع فيها السرديات التاريخية مع الرهانات الإيديولوجية المرتبطة بالهوية والانتماء. فقد شكل الماضي الأندلسي مجالا لإنتاج خطابات متعارضة، تتأرجح بين منطق الاسترداد وإعادة بناء الذات القومية، وبين مساءلة هذا الإرث وما يحمله من توترات رمزية، ويكشف الأدب، من خلال تمثلاته المتعددة للأندلس، عن آليات تحويل التاريخ إلى خطاب صراعي يعيد ترتيب الذاكرة الجماعية.
ولمناقشة كل ذلك قسمنا هذا المطلب إلى فقرتين، حيث نناقش في الفقرة الأولى منطق الصراع وبناء سردية الاسترداد، وفي الفقرة الثانية آثار الذاكرة الصراعية في الوعي الثقافي.
الفقرة الأولى: منطق الصراع وبناء سردية الاسترداد
هيمن منطق الصراع الديني والسياسي على تمثيل الأندلس في جزء كبير من الأدب الإسباني الكلاسيكي، حيث قدمت بوصفها مرحلة احتلال وجب تجاوزه سرديا وأخلاقيا، وقد تجلى ذلك في المسرحيات الملحمية والقصائد التي مجدت الانتصار المسيحي، وربطت سقوط الأندلس باستعادة الهوية القومية. وفي هذا السياق، تحولت الذاكرة الأدبية إلى أداة لتكريس تصور أحادي للتاريخ.
أولًا: منطق الصراع وتمثلات الآخر في السرد الإسباني
يحتلّ منطق الصراع موقعا مركزيا في بناء الذاكرة الأدبية حول الأندلس، حيث تتبلور عبره علاقة متوترة بين الذات الإسبانية والآخر الأندلسي أو الإسلامي، وينظر إلى هذه العلاقة في كثير من النصوص بوصفها مواجهة حضارية ممتدة، تعيد إنتاج الماضي في شكل صراع رمزي حول الهوية والانتماء، وقد ذهب أمبرتو إيكو إلى أن الهوية تبنى غالبا من خلال صورة العدو، أكثر مما تتأسس عبر تشخيص عناصر الذات، وهو ما ينطبق على التمثلات الأدبية التي تُبرز الأندلس كمرآة لصياغة حدود الهوية القومية الإسبانية.
وتظهر آثار هذا المنطق في العديد من الأعمال الأدبية التي تقدم الفتح الإسلامي باعتباره لحظة انكسار تاريخي، وتقابل ذلك بتصوير الاسترداد كفعل مقاومة واستعادة للذات، وفي هذا الإطار يبّن الناقد الإسباني بيدرو مارتينيث مونتابيث أن الأدب الإسباني الوسيط أعاد صياغة العلاقة مع الأندلس في خطاب يقوم على الثنائية: الانتماء/الغزو، الشرعية/التهديد، الذاكرة/المحو، وبذلك يصبح الماضي الأندلسي مسرحا للصراع الخطابي الذي تتجدد فيه الحدود بين المسيحي/المسلم، وبين المركز/الهامش، حيث يعاد تمثيل الآخر بما يخدم السردية القومية.
ثانيا: بناء سردية الاسترداد وإعادة تأويل الماضي
شكلت سردية الاسترداد أحد أهم الأطر التي أُعيد من خلالها تشكيل الذاكرة الإسبانية، سواء في التاريخ أو في الأدب، فهي ليست مجرد سلسلة حروب، بل خطاب سياسي–ثقافي يمنح التاريخ بعدا تبريريا ويعيد ترتيب الماضي وفق رؤية قومية محددة، ويشير خوان غويتيسولو إلى أن الاسترداد ليست حدثا تاريخيا فحسب، بل خطابا تأسيسيا للهوية الإسبانية الحديثة، وهذا ما يفسر حضورها المكثف في السرد الأدبي الذي يعمل على تثبيت ثنائية التحرير واستعادة الأرض.
وتستثمر نصوص كثيرة هذا البعد الخطابي عبر تصوير سقوط غرناطة مثلا كنهاية حقبة غريبة عن الهوية الإسبانية، وترسيخ فكرة النقاء الديني والثقافي بعد 1492، وقد استعادت الرواية التاريخية والرومانسية الإسبانية هذا الحدث لتثبيت رمزية الانتصار، كما يتجلى في أعمال بيدرو أنطونيو دي ألاركون وكتابات الرومانسيين الإسبان، حيث يذوب التاريخ في التخييل ليعاد إنتاج الاسترداد كتطهير للذاكرة الجماعية.
وتكشف هذه السرديات عن آليات دقيقة لبناء خطاب يستعيد الماضي بما يخدم تصورا معينا للحاضر، عبر التركيز على البطولة والمقاومة والنقاء الثقافي، وهو ما يجعل سردية الاسترداد ليست مجرد خلفية تاريخية، بل بنية دلالية تؤطر تمثل الأندلس في المخيال الإسباني، وتؤثر في وعي الأجيال بصورة الماضي ودلالاته السياسية والرمزية.
الفقرة الثانية: آثار الذاكرة الصراعية في الوعي الثقافي
أسهم هذا التمثيل الصراعي في ترسيخ رؤية إقصائية للأندلس داخل الوعي الثقافي الإسباني، حيث جرى اختزالها في بعدها السياسي والعسكري، مع إغفال بعدها الحضاري والعلمي، غير أن هذا الإقصاء لم يكن كاملا، إذ ظل الإعجاب بالمنجز الأندلسي يتسلل إلى النصوص الأدبية في شكل إشارات جمالية أو اعترافات ضمنية بقيمة ذلك الإرث.
أولا: الذاكرة الصراعية وتشكيل الوعي الجمعي
أدّت الذاكرة الصراعية المرتبطة بالأندلس إلى ترسيخ تمثلات معينة في الوعي الثقافي الإسباني، حيث أصبح الماضي الأندلسي يقرأ من خلال منظار ثنائية النحن والآخر، وهي ثنائية تتكرر في الخطابات الأدبية والتاريخية والسياسية على السواء، فوفقا لبيير نورا، تتحول الذاكرة إلى قوة فاعلة حين تصبح جزءا من هوية الجماعة وتصوراتها عن ذاتها، وهو ما ينطبق بوضوح على الوعي الإسباني الذي استبطن الاسترداد كمفهوم تأسيسي للهوية.
وقد نتج عن هذا التراكم الذاكري رؤية متوجسة تجاه الإرث الأندلسي، حيث يقدم في كثير من الأحيان كمرحلة دخيلة أو منقطعة عن السردية القومية الرسمية، وتشير الباحثة روزا مينيوث إلى أن الذاكرة الصراعية حول الأندلس صنعت صورة مترددة في المخيال الإسباني، تتراوح بين الحنين والخوف، وبين التقديس والإنكار، وهو ما يفسر حضور رموز أندلسية في الثقافة الشعبية، مثل قصر الحمراء وقرطبة، بحمولة جمالية، مقابل غياب نقاش هادئ حول الإرث الإسلامي في الوعي العام.
ثانيا: ثنائية النقاء والاختلاف في الهوية المعاصرة
أثرت الذاكرة الصراعية كذلك في بناء مفهوم النقاء الثقافي الذي ترسخ منذ القرن السادس عشر وما زالت آثاره ممتدة في الوعي الثقافي المعاصر، فقد عملت سردية الاسترداد على تكريس تصور يجعل من الهوية الإسبانية جوهرا واحدا متجانسا، بينما ينظر إلى كل أثر أندلسي بوصفه بقايا اختلاف ينبغي تأطيره أو استبعاده، ويحلل يان أسمان هذا النوع من الذاكرة بقوله إن الذاكرة الثقافية لا تحفظ الماضي كما هو، بل انتقاء منه ينسجم مع معايير الجماعة، وهو ما يبرز بوضوح في الخطابات التي تحتفي بالتراث الأندلسي شكليا، مع تجاهل عمقه الدلالي المرتبط بالتعدد والانفتاح.
وتتجلى آثار هذه الذاكرة في مجالات الفن والمناهج التعليمية والخطاب الإعلامي، حيث يعاد تقديم الأندلس إما في صورة رومانسية خالية من سياقها التاريخي، أو ضمن سردية صراعية تعزز فكرة انتصار الهوية النقية بعد 1492، ويشير خوان غويتيسولو إلى أن إقصاء الأندلس من سردية الأمة هو إقصاء لجزء من الذات، وإعادة إنتاج للانفصال التاريخي، ومن هنا، فإن الذاكرة الصراعية لا تؤثر فقط في تمثل الماضي، بل في تصور الإسبان لهويتهم الجماعية وتموضعهم الثقافي داخل الفضاء المتوسطي.
**********
[1]- يشير المنهج الثقافي إلى دراسة عادات وتقاليد وتاريخ وقيم بلد ما أو منطقة ما. وهو أحد مكونات المنهج الأوسع في المدارس والمؤسسات التعليمية، والذي يهدف إلى تزويد الطلاب بتعليم جيد لا يشمل المواد الأكاديمية فحسب، بل يشمل أيضا التعرض للثقافات وأساليب الحياة المختلفة. يتضمن المنهج الثقافي عادةً موضوعات مثل الفن والموسيقى والأدب والتاريخ، مما يساعد الطلاب على فهم وتقدير التراث الثقافي للمجتمعات المختلفة. وهو مصمم لتعزيز الحساسية الثقافية والوعي والفهم، وإعداد الطلاب لعالم معولم حيث سيتفاعلون مع أشخاص من خلفيات وثقافات متنوعة.
[1]- José Manuel González, Historia y civilización de Al-Ándalus, Madrid, Ediciones Síntesis, 2010, p. 45.
[1]- Lorenzo de Madrid, Historia de Al-Ándalus, Barcelona, Editorial Crítica, 2005, p. 112.
[1]- الجزيرة نيت، بعد أكثر من 5 قرون.. لماذا يحنّ الإسبان إلى أمجاد الأندلس وتراثها؟، مقال منشور على الموقع https://www.aljazeera.net ، أطلع عليه بتاريخ 04/01/2026، على الساعة 14.45
[1]- María Teresa Martínez, La memoria literaria de Al-Ándalus en la narrativa española, Sevilla, Universidad de Sevilla, 2012, p. 68.
[1]- Washington Irving, Chronicles of the Alhambra, London, John Murray, 1832.
[1]- Federico García Lorca, Poemas de la Alhambra, Granada, 1929.
[1]- Paul Ricœur, La mémoire, l’histoire, l’oubli, Paris, Seuil, 2000, p. 85.
[1] -María Teresa Martínez, La memoria literaria de Al-Ándalus en la narrativa española, Sevilla, Universidad de Sevilla, 2012, p. 74.
[1]- Jan Assmann, La mémoire culturelle, Paris, Albin Michel, 2010, p. 37.
[1]- Washington Irving, Chronicles of the Alhambra, London, John Murray, 1832.
[1]- Federico García Lorca, Poeta en Nueva York, Madrid, Alianza Editorial, 1986.
[1]- Umberto Eco, Construire l’ennemi, Paris, Grasset, 2011, p. 14.
[1]- Pedro Martínez Montávez, España y el Islam: lecturas desde la orilla, Madrid, Ediciones Libertarias, 1999, p. 56.
[1]- Juan Goytisolo, La reivindicación del conde don Julián, Barcelona, Seix Barral, 1970, p. 22.
[1]- Pedro Antonio de Alarcón, El niño de la bola, Madrid, Imprenta de Fortanet, 1873.
[1]- Pierre Nora, Les lieux de mémoire, Paris, Gallimard, 1984, P. 23.
[1]- Rosa Menéndez, Memorias conflictivas: Al-Ándalus en la cultura española contemporánea, Madrid, Cátedra, 2015, P. 41.
[1]- Jan Assmann, La mémoire culturelle, Paris, Albin Michel, 2010, p. 112.
[1]- Juan Goytisolo, Señas de identidad, Barcelona, Seix Barral, 1966, p. 57
**يتبـــع**