“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
تأخذنا الخطى على الطريق المتجهة من خميس أنجرة نحو القصر الصغير، ننظر يمينا، فنفاجأ ببنايات ملفتة، كأنها هاربة من الريف الأوروبي، كأننا سافرنا إلى شمال ضفاف المتوسط، نتساءل ما هذه القرية الغريبة؟ فيأتينا الجواب، إنها Estiva، او استيبا/استيفا أو كما يناديها أهل المنطقة اشطيبة.

ندخل القرية او بقايا القرية، فتستقبلنا لافتة حديدية صدأت بفعل الزمن مكتوب عليها بالاسبانية Dar Estiva، وننطلق في البحث عن جذور الحكاية.
نتبع أثر الخطى في الزمن إلى عشرينات القرن الماضي، عندما تم تأسيس هذه القرية، في فترة الحماية الإسبانية لشمال المغرب كاستراحة للمقيم العام الإسباني، ليقيم بها خصوصا في فترة صيد الايائل، لتصبح مع مرور الأيام علامة فارقة تؤرخ لتاريخ غير مروي، اسمها Estiva، إسم لاتيني الأصل ويعني مكان الاستراحة، مع مرور الوقت ورحيل الإسبان تغير اللفظ في اللهجة الشمالية ليصبح اشطيبة.

ندخل القرية بانبهار، الباب الحديدي، بقايا طريق، ثم منزل حجري صغير بسقف منحدر، يشبه منازل الريف الأوروبي، نصعد قليلا فيفاجؤنا المبنى الرئيسي، حيث كانت إقامة المقيم العام الإسباني، منزل مهيب مبني بالحجر والحديد والخشب، سقف مائل، كأنما بني ليصد ثلوجا لم تأت، مدخنتان شاهقتان تنتظران نارا انطفئت منذ عقود خلت، أبواب موصدة ونوافذ مغمضة كعيون شيخ انهكه السهر الطويل.

ننظر حلف السياج الذي غلفت به النوافذ، فيترائى لنا المقهى/المطعم بتفاصيله ومدخنته لنجد أنفسنا نتخيل المشهد كما كان في الماضي السحيق، قاعة مليئة بالضيوف وصوت موسيقى ال paso doble يملأ الفضاء والعساكر والموظفون على المقاعد أو في باحة الرقص، ننظر إلى الخارج فتقابلنا الأشجار الباسقة او ما تبقى منها، فنتخيل العساكر وهم ينظمون الصفوف ويرتبون آلياتهم، كيف لا وقد كان هذا المكان هو المفترق الرئيسي لفرقة المشاة والخيالة والوحدات اللوجيستيكية للجيش الإسباني مابين 1921/1935.
يوقظنا من الحلم صوت ثغاء الغنم والماعز الذي يرعى قرب البيت، فتتأرجح مشاعرنا بين الانبهار بهيبة وجمالية المكان، وبين خيبة الأمل من المآل الذي آلت إليه هذه البناية وهذه القرية، والتي كان من المفروض ان تتحول إلى متحف مفتوح يؤرخ لذاكرة المنطقة، هذه البنايات التي تجاوز عمرها مائة سنة، رغم أنها كانت مركزا للسلطة، لكنها تمثل جزءا مهما من ذاكرة الشمال التاريخية.
نتبع أثر الخطى عائدين الى خميس أنجرة أو متجهين نحو القصر الصغير ونحن نقول: ” بعض الأمكنة لا تموت حينما تهجر، بل عندما نتوقف عن الاصغاء إلى حكاياتها”
