بداية، يسعدنا في جريدة 44نيوز أن نستضيف الشاعرة فاطمة الزهراء الفزازي، بمناسبة صدور ديوانها الجديد “غيمات على أكف الريح”، وهو عمل شعري يضيف لبنة جديدة إلى المشهد الشعري المغربي، ويعكس تجربة إنسانية وجمالية خاصة. نهنئك على هذا الإصدار، ونتمنى لك مزيدًا من التألق والعطاء.
س1- بداية من هي فاطمة الزهراء الفزازي؟
ج- فاطمة الزهراء فزازي إنسانة بسيطة تعيش في بحث دائم عن أفضل نسخة منها، تحرص كل الحرص أن يظل الإنسان حيا فيها، تعمل من أجل ذلك بكل قناعة ومحبة، عشت حياة كلها مقاومات وما زلت مادام هناك ظلم وقبح وقهر وطغيان على هذه الأرض، والكتابة هي الشكل الأرقى لهذه المقاومات.

س2: كيف استقبلت صدور ديوانك الجديد “غيمات على أكف الريح” ، وماذا يعني لك هذا الإصدار في مسارك الإبداعي؟
ج- بصدق استقبلت ديواني الأول بشعور غريب يشبه الرهبة، كمن يقبل على امتحان ولا يدري هل سيكون موفقا ؟ أولا لأني كنت أكتب ولم يكن هاجس النشر واردا أبدا ،ثانيا لأنني أعتبر أن لهذه الصفة “الشاعرة” هيبتها ، فأنا لا أستسهل الكتابة أبدا، وهذه الصرامة تدفعني دوما للتساؤل هل ما أكتبه يستحق النشر؟ وعندما تسلمت ديواني من دار النشر”الوطن” تعمق هذا السؤال وبت أنتظر كيف سيتلقاه القارىء وكيف ستكون الارتسامات، وهذا كله خلف لدي شعورا جديدا بالقلق ، ذلك القلق الذي يلازم المبدع ويشعره بالمسؤولية ويحفزه على الاشتغال باستمرار لتطوير تجربته وتجويد كتاباته.
س3: ما الذي يشكل الدافع الأساسي للكتابة لديك وهل هناك لحظة أو حدث معين كان وراء ميلاد هذا الديوان؟
ج- الكتابة بالنسبة لي هي الملاذ الجميل والمتنفس الذي ألجأ إليه عندما تضيق سبل التعبير الأخرى، فهي فعل مقاومة متواصل، بها أعبر عن ذاتي وعن رؤيتي للعالم وعلاقتي به. أما عن ميلاد هذا الديوان ” غيمات على أكف الريح” فقد كان نتاج صيرورة وتراكم وسياقات أفضت إلى النشر دون أن يكون مشروعا مسبقا واضح المعالم ، فالأمر بدأ كعشق وملاذ إذ كنت أكتب ل”أجعل مجرى الزمن ناعما “على حد تعبير بورخيس، ولكن منذ 2016 زمن انفتاحي على وسائل التواصل الاجتماعي حيث كان الفيسبوك نافذتي الأولى التي أطلت منها نصوصي على الأصدقاء والصديقات من عشاق الشعر من المغرب ومن الوطن العربي الكبير ، فكان تفاعلهم الجميل حافزا على الاستمرار في الاشتغال والكتابة ، وحافزا شحنني بجرعة ثقة فيما أكتب دفعتني لنشر العديد من النصوص في منابر ورقية وإلكترونية مغربية وعربية عديدة ، كما أنني شاركت في كثير من الملتقيات الشعرية المنظمة على المستوى المحلي والجهوي والوطني،وهذا المسار أفضى في النهاية إلى ضرورة نشر وإصدارديوان ورقي بعد تردد استمر لسنوات.
س 4: الشعر المغربي يعرف تنوعًا لافتًا في الأصوات والتجارب، كيف تقيمين هذا المشهد؟ وأين تضعين صوتك وتجربتك الشعرية داخله؟
ج- المشهد الشعري المغربي بخير في نظري، هو في تشكل وتجديد مستمر، فهناك أصوات شعرية جديدة فرضت وجودها تنافس بقوة العديد من الأصوات المكرسة، كما أن هناك إقبالا ملفتا على النشر رغم ميل الميزان لصالح الكتابات السردية عموما من حيث نسب المقروئية، ورغم شح المواكبة النقدية التي وحدها بإمكانها فرز الجيد من الغث والرديء خاصة بعد اتساع النشر الرقمي، وما قد يرافقه من فوضى ويحدثه من اختلالات حقيقية تطال الذائقة الشعرية ومعايير جودة الإبداع، لكني أعتقد أن غزارة الإنتاج يبقى مؤشرا صحيا قد يحدث تحولا نوعيا ، وذلك بفضل وجود تجارب شعرية عديدة تخوض رحلة بحث دائم عن المعنى الذي يبقي الشعر حيا نابضا بالجديد وبالحياة والجمال.
أما عن تجربتي المتواضعة فهي من التجارب التي تنتصر لقصيدة النثر لما تتيحه من حرية في التعبير وانطلاق خارج القيود والقوالب مهما كانت، فالإبداع بالنسبة لي لا يتحقق إلا مع شعور كامل بالتحرر، وتشبع عميق بالجمال من روافده العديدة ، وقدرة على صياغة ما يعتمل عميقا في ذاتي المنفعلة والمتفاعلة مع الواقع من حولي وفق رؤية خاصة واضحة ،يؤطرها حسي الحقوقي الإنساني وإيماني بالقيم الكونية، فكتاباتي في مجملها جاءت عاكسة لهذه القناعات الراسخة بشكل جلي أو خفي..
س 5: الكتابة النسائية في المغرب شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، كيف تنظرين إلى هذا التحول؟ وهل ما زالت هناك تحديات خاصة تواجه الشاعرة المغربية؟
ج- “الكتابة النسائية “أفضل أن أتحدث عن الأصوات الشعرية النسائية -بدل هذا التوصيف الذي أتحفظ عليه – فأنا أتفق معك، إذ أن هناك حضورا متزايدا ونوعيا لشاعرات لهن وزنهن في المشهد الشعري المغربي،حفرن بجهدهن وكتاباتهن المتميزة اسمهن بحبر أنيق وراق ، وهذا يبعث على الفخر والاعتزاز،ولعل هذا الحضور ماهو إلا انعكاس طبيعي للتحول المجتمعي ولانعتاق المرأة عموما واقتحامها لمجالات عدة كانت لزمن قريب حكرا على الرجال، وقد استطاعت أن تثبت جدارتها وقدرتها على الإبداع والخلق والمشاركة الفعالة والمؤثرة في جميع الميادين، وبالتالي فإن اقتحامها لعالم الإبداع بقوة هو تحصيل حاصل، ونتيجة حتمية لتحررها من قيود كانت تكتم أنفاسها وتمنعها من تعبيرات عدة منها الكتابة ، وطبعا فإن الطريق لا يكون دائما ممهدا ومفروشا بالورود ، فهناك باستمرار ممانعات ومعيقات من طرف حراس الفكر الذكوري تفرض عليها أن تبذل جهودا مضاعفة لإثبات ذاتها أولا ، ولإثبات جدارتها ثانيا ، ولمقاومة كل أشكال التضييق والتهميش والتبخيس وأحيانا حتى ذلك النقد”المغرض” الذي لا يتكىئ على معايير جمالية وعلمية بقدر ما تحركه نوازع ذاتية إقصائية لبعض مرضى النفوس والذين لا يتقبلون وجود أصوات شعرية بصيغة المؤنث تنافس بقوة في المشهد الشعري المغربي.
ويبقى التحدي الأكبر في مواجهة هذه الكوابح هو مدى قدرة الشاعرة المغربية على الكتابة بحرية، وتخطيها للرقابة الذاتية قبل رقابة الآخر المتلقي قارئا أو ناقدا.
س 6: هل ترين أن هناك خصوصية للكتابة النسائية، أم أن الشعر يتجاوز هذه التصنيفات؟
ج- الحديث عن الكتابة النسائية وعن الخصوصية يجعلنا نتساءل هل هناك في المقابل كتابة رجالية أو حتى كتابة “ثالثة “؟ -على حد تعبير الشاعرة الكبيرة وفاء العمراني في أحد لقاءات عيد الكتاب بتطوان- فالإبداع في اعتقادي لا جنس له، يسمو على هذا التوصيف إذ يستمد قيمته من متنه لا من صاحبه أو صاحبته، والخصوصية لا تقتصر على الشاعرة فقط بل لكل مبدع خصوصيته ولكل تجربة ما يميزها عن غيرها، إلا أن هناك معيقات لا يمكن إنكارها قد تؤثر على المسار الإبداعي للشاعرة ، وأقصد هنا الشرط النسائي وكل ما له علاقة بالتمييزبين الجنسين وإن كان هذا التمييزفي مجال الإبداع يبقى ممارسة فردية لا مؤسساتية ، مردها إلى استمرار وجود عقليات مشبعة بالفكر الذكوري ، وبتمثلات سائدة متخلفة ، تختزل المرأة في دورها التقليدي ،ولا تتقبل اقتحامها لمجالات أخرى بما في ذلك الكتابة والإبداع.
س7: كيف تتعاملين مع اللغة الشعرية؟ هل تكتبين وفق حالة انفعالية، أم أن النص يمر بمراحل من الاشتغال والتنقيح؟
ج- أجمع في لغتي الشعرية بين البساطة والعمق، أعمل على تكثيف الدلالة واعتماد الإيحاء والرمز دون السعي إلى الغموض أو السقوط فيه،كما قد يبدو للقارئ أن للتجربة الشخصية أثرها الجلي في اللغة الشعرية فيلاحظ أنها تأتي محملة بمشاعر الحزن والقلق والغضب والحنين ..إلى درجة السوداوية والتشظي أحيانا، ولكنها تتجاوز التعبير عن الذات إلى أبعاد وطنية وإنسانية ووجودية.
أما عن ظروف الكتابة ، ففعلا هي نتاج لحالة شعورية تستبد بي وتجرني جرا إلى الورق والقلم، بلا طقوس خاصة محددة سلفا، هي استجابة قد تكون لحظية فتأتي القصيدة جاهزة ك”طلقة ” في نفس واحد، وقد تأتي على فترات حيث يأخذ النص مني وقتا فيكتب على مراحل، ويخضع للتنقيح والحذف وأحيانا للمحو نهائيا.
س8:ماذا يمثل لك القارئ؟ وهل تفكرين فيه أثناء الكتابة؟ ما هي مشاريعكِ القادمة؟ وهل هناك عمل شعري جديد في الأفق؟
ج- عن القارئ قلت في حوار سابق إنه شريك متواطئ وفاعل حقيقي من حيث لا يدري، وإن القصيدة تستمد جاليتها من جمالية التلقي، خاصة عندما يكون هذا المتلقي عاشقا للشعر، يتميز بحس نقدي وذائقة جمالية، يعطي للنصوص حياة أخرى وللمبدع رغبة في مواصلة الحفر واقتحام عوالم جمالية أخرى، بل هو الذي يشعره بجدوى كتابة الشعر، وبالنسبة لي أنا ممتنة للعديد من الأصدقاء والصديقات ممن يقرؤون لي ويتابعون تجربتي وأنصت لملاحظاتهم فيحضرون بشكل أو بآخر أثناء عملية الكتابة.
أما عن مشروعي الحالي، فأنا أعد ديوانا ثانيا سيكون مختلفا عن الأول ، إذ يضم مجموعة من الشذرات الشعرية كتبتها على فترات وسأعمل على نشرها في أضمومة متى سمحت الظروف بذلك.
9: كلمة أخيرة لزوار جريدة 44 نيوز
شكرا جزيلا لك صديقتي نعيمة على هذا الحوار الذي أتاح لي فرصة التواصل مع زوار جريدة44 نيوز، فأرجو أن أمر عبر منبركم بخفة فراشة ، وأتمنى لكم كل التوفيق في مساركم الإعلامي كما أثمن جهودكم النبيلة لدعم العمل الثقافي الجاد والهادف وتشجيع الإبداع والنشر.