في السابق كان يقال إن الجدران لها آذان. اليوم يبدو أن الشاشات لها ذاكرة لا ترحم وجمهور جاهز دائما للحكم.
يكفي منشور واحد صورة مبتورة، معلومة مجتزأة أو ادعاء مكتوب بثقة حتى تبدأ المحاكمة. لا حاجة إلى أدلة ولا إلى استماع ولا حتى إلى معرفة الحقيقة. يكفي أن تكون إمرأة.
في كل مرة أتابع فيها حالة تشهير أو إساءة رقمية تستهدف النساء، أجد أن السيناريو يتكرر بشكل يكاد يكون مملا من فرط تكراره ومؤلما من فرط اعتياديته وتسامح المجتمع معه .
حين تختلف امرأة مع أحدهم، أو تعبر عن رأيها بثقة أو تكون حاضرة في الشأن العام، يتحول النقاش فجأة من أفكارها إلى حياتها الخاصة، من مواقفها إلى شكلها من عملها إلى سمعتها.

وكأن المجتمع لم يجد بعد طريقة أسرع لمعاقبة النساء من تهديد صورتهن وحضورهن داخل الفضاء العام.
العنف الرقمي ليس مجرد كلمات على شاشة كما يحاول البعض تبسيطه. هو امتداد لعنف أقدم، أكثر تجذرا يعرف جيدا أين يوجه ضربته. ليس الهدف دائما الإقناع أو الاختلاف، بل الإخضاع: أن تُدفَع المرأة إلى الصمت إلى التراجع وإلى التفكير ألف مرة قبل أن تتكلم أو تظهر أو تبادر.
المفارقة أن كثيرا من النساء لا يعشن هذا العنف فقط من غرباء مجهولين بل أحيانا من محيط قريب، من أشخاص يعرفون جيدا كيف يوظفون أكاذيبهم مع معرفة بعض التفاصيل الشخصية كسلاح يوجهونه ضد النساء .
في هذه اللحظات، لا تكون المعركة فقط ضد محتوى مسيء بل ضد شعور ثقيل بالانتهاك. ضد فكرة أن حياتك يمكن أن تتحول إلى مادة للاستهلاك، وأن عليك رغم ذلك أن تواصلي يومك بشكل طبيعي.
لكن الأخطر من الفعل نفسه هو التطبيع معه التعليقات التي تقول: تجاهلي أغلقي هاتفك لا تعط الموضوع أكبر من حجمه.
كأن المطلوب من النساء دائما أن يتكيفن مع العنف بدل مساءلة العنف نفسه.
لسنا أمام حادث فردي أو حالة معزولة، بل أمام ثقافة كاملة ما زالت ترى أن ضرب المرأة في سمعتها وسيلة فعالة لإخضاعها وإعادتها إلى الهامش.
لهذا، حين نتحدث عن التشهير والابتزاز الرقمي فنحن لا نتحدث فقط عن محتوى منشور، بل عن علاقات قوة وعن نظرة اجتماعية وعن فراغات قانونية أحيانا، وعن حاجة ملحة إلى وعي جماعي بأن الفضاء الرقمي ليس خارج الأخلاق ولا خارج المساءلة.
ربما لا يمكننا التحكم في كل ما يُنشر، لكن يمكننا على الأقل أن نعيد طرح السؤال:
لماذا ما يزال استهداف النساء يمر بسهولة أكبر حين يكون عبر أجسادهن، صورهن، وعلاقاتهن الشخصية؟
ربما لأننا لم نحسم بعد مع فكرة بسيطة جدا:
أن المرأة حتى في الفضاء الرقمي ليست مباحة.
وهنا فقط يبدأ النقاش الحقيقي.
وهنا تبدأ أولى قطرات الحبر…
وفي “حبر نسائي” حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام.
حبر نسائي
ما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…